فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 788

والطريقة الثانية لتلقي العلم المدارسة ومعناها التعامل والتشاور على العلم وهذا الأسلوب يعلم الشباب أشياء كثيرة, يعلم الشباب العمل الجماعي وروح العمل الجماعي يتعاونون ويتشاورون في طلب العلم, كما أنه يعلمهم ويربيهم على روح الشورى فالشورى مبدأ أساسي في حياة المسلم يجب أن يربي نفسه عليه, الشورى في كل شيء حتى في طلب العلم, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك هذا المبدأ حتى في أحلك الأوقات وأكثرها حرجًا ففي غزوة أحد مثلًا لما وصل معسكر المشركين إلى أطراف المدينة وعسكر غربي أحد ثلاثة آلاف مقاتل ومائتا فارس وصلوا إلى أبواب المدينة وعسكروا هناك ومع ذلك وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة في هذه اللحظة الحرجة الخطيرة ليجمع مجلس شوراه شبابًا وشيوخًا ويشاورهم الرأي يعرض عليهم اقتراحه دون أن يلزمهم به ويطلب منهم آرائهم واجتهاداتهم في المحنة التي حلت بهم, وانظروا كيف يطبق رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى بصرامة ودقة , يعرض عليهم رأيه واجتهاده أن يتحصنوا بالمدينة ثم يؤكد على هذا الرأي بأن يذكر لهم الرؤيا التي رآها:رأيت بقرًا تذبح ورأيت ثلمة في ذباب سيفي ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة. هكذا قال لهم الرسول المصطفي صلى الله عليه وسلم , وبالرغم من هذا لم يلاقي هذا الاقتراح القبول عند أغلبية الصحابة رضى الله عنهم هم يتوقدون إيمانا ويتفجرون حماسًا لملاقاة أعدائهم لعلهم يكسبون الشهادة أو النصر وخاصة أن كثيرًا منهم لم يحضر بدرًا فتأسف على أن فاته شرف المقاتلة في سبيل الله في بدر فهو متحرق لملاقاة العدو في هذه الفرصة السانحة, حتى إن بعضهم مما لا يهاب شيئًا في سبيل الله عز وجل كأسد الله ورسوله حمزة رضي الله عنه قال للرسول: حتى لو بقيتم في المدينة فلأخرجن إليهم يا رسول الله فأصارعهم بسيفي, وأمام هذا الحماس المتقد وأمام هذه الأغلبية ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأيهم مع يقينه القاطع بأن رأيه الذي عرض هو الأصوب, كلا الرأيين صواب فالأمر في مجال الاجتهاد, ليست القضية قضية حق وباطل إنما هي قضية مقارنة بين اجتهادين أحدهما أصوب من الآخر ومع علمه صلى الله عليه وسلم ويقينه بأن رأيه الذي عرضه عليهم هو الأصوب وهو الأولى بالتنفيذ فإنه أخذ في اعتباره رأي الأغلبية صلى الله عليه وسلم, ولكن مبدأ الشورى في حياتنا نحن المسلمين ليس معناه الارتباك والاضطراب في الرأي والتردد والضعف والخور, فإن التردد والإرتباك والنزاع والخلاف ضعف وخور ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أقر رأي الأغلبية ودخل إلى بيته يحف به وزيراه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما فعممه أبو بكر ألبسه العمامة على المغفر ثم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في درعيه أي لبس درعيه مبالغة في الأخذ في الأسباب والاحتياطات اللازمة, أثناء ذلك ندم الصحابة وقال بعضهم لبعض: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير ما يرى فلما خرج قالوا: لقد استكرهناك يا رسول الله على غير ما رأيت فامض إلى ما رأيت إن شئت فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما كان لنبي إذا لبس لئمة الحرب أن يضعها حتى يلاقي عدوه ويحكم الله بينه وبينه فامضوا إلى ما رأيتم وتوكلوا على الله.

هذا تفسير عملي من النبي صلى الله عليه وسلم لآية الشورى التي نزلت في سياق غزوة أحد فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله , فمبدأ الشورى في حياتنا نحن المسلمين مبدأ أساسي في كل شيء في جميع المستويات على مستوى القادة والموجهين وعلى مستوى الأفراد وعلى مستوى الشباب المسلم , يجب أن نربي أنفسنا على روح الشورى وخاصة في العلم وفي طلبه كلكم سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) ), يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم يتعاونون ويتكاتفون في درس القرآن وفهمه وحفظه يعين بعضهم بعضًا ويكمل بعضهم بعضًا , هذه هي الشورى في طلب العلم فإن الشورى معناها في الحقيقة أن تضع في اعتبارك ما عند الآخر فتجمع ما عندك إلى ما عنده لعلكما تتوصلان معًا إلى الصواب أو إلى أكبر قدر من الصواب فقد يكون الذي عندك بعض الصواب وباقيه عند أخيك المؤمن أو إخوانك المؤمنين وربما كان الصواب كله عندهم وليس عندك شيء منه فكن وأنت تتعلم على منهج السلف فبتلاقح الاجتهادات وتكاتف الشباب المسلم في طلب العلم يتوصلون بذلك إلى الصواب بإذن الله عز وجل وتوفيقه. وهل أصابنا ما أصابنا من إحباط وفشل ومصائب وكوارث إلا نتيجة للانحراف عن المنهج الذي قد يعتريه مسيرتنا أو للخلل الذي قد يطرأ على حياتنا, فعلينا أن نتخذ الوسائل الشرعية اللازمة لتلافي ذلك وتجنبه ومن أهم هذه الوسائل كما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التعاون والتكاتف أي العمل الجماعي حتى في طلب العلم فما بالك في العمل فإن التدارس هو الطريق الثاني لطلب العلم, أما ماذا يطلب الشاب المسلم من العلم؟ وكيف يطلب العلم؟ وما هو المنهج الذي يسلكه؟ فقد بينت ذلك بشيء من التفصيل في محاضرة سابقة ألقيتها في الطائف بعنوان:"برنامج عملي للمتفقهين"ذكرت فيه ثماني قواعد ضرورية لازمة لكل شاب مسلم يريد أن يتعلم دين الله عز وجل ويتفقه فيه نسردها بإيجاز تذكيرًا لكم:

القاعدة الأولي: أن يصحح نيته أولًا ويسلم من الشهوتين شهوة طلب العلم من أجل المكاسب والمغانم وشهوة طلب العلم لنيل الرئاسات والشرف.

القاعدة الثانية: أن يكون أول علم يطلبه هو التوحيد والفقه لأنه بهذين العلمين يصحح عقيدته وتصوراته ويصحح عمله فإذا طلب العقيدة وطلب علم التوحيد عليه أن يحرص على أن يطلبه على منهج السلف الذين هم صفوة هذه الأمة وقدوتها ونعني بالسلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن نهج منهجهم ممن جاء بعد ذلك, ومن أراد أن يطلب فقه الشريعة أو فقه الأحكام فعليه أن يستعين بواحد من المذاهب الفقهية المخدومة الزاخرة الغنية يتوصل به إلى الفقه ولا يجعله غاية له يجمد عنده وينحبس فيه, وعليه إذا طلب العلوم الشرعية أن يركز على الجوانب العملية في هذه العلوم لأنه كما قلنا لأنه ليس من منهج السلف أن تطلب العلم للعلم إنما تطلبه للعمل فما يتعلق به عمل تطلبه وتفني فيه وقتك وعمرك, وما لا يتعلق به عمل فاتركه فإن عمرك لا يمكن أن يسع لكل تلك العلوم, ما لا يتعلق به عمل يعد في منهج السلف من باب الترف والترف الفكري الذي لا طائل ورائه ولا فائدة تحته. فإذا طلبت العلم فاحرص على أن تطلبه من الأكابر ما أمكنك ذلك لا من الأصاغر وأن تطلب كل علم من أهله فكل علم يسأل عنه أهله هذه قاعدة معروفة عند السلف, هذا بينته بشيء من التفصيل أسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح وأن يهيئنا ويسخرنا للدعوة إليه وفي سبيله أقول هذا وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المتحدثون عن الإسلام في زمان الفتن

سعود بن إبراهيم الشريم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت