إن الرسالة التي ترسلها الساعة إلى الإنسان هي: أن الزمن يمر، وأن الحياة تستهلك وتنتهي، فعليك العمل بسرعة .. ولذلك فان الشعور بالاستعجال، يعمل على إسراع بعض الوظائف الرتمية، مثل ضربات القلب، فتجعلها تدق بنغمة أسرع وكذلك التنفس، وقد يعقب ذلك زيادة ضغط الدم ـ أي ترافعه ـ وكذلك بعض الإفرازات الهرمونية .. كل هذا كتجاوب ونتيجة للقلق، أو لبعض مشاعر أخرى يحتويها القلق، كعدم الرضا أو الغضب، أو الحقد أو الغل أو الحسد، أو غيرها.
أي أن شعورنا بسرعة الوقت وإعدام الزمن ـ أي إنهاؤه ـ تؤدي بساعات جسمنا الحيوية إلى الإسراع، مما يؤدي إلى أمراض التسرع: كأمراض القلب، وضغط الدم، أو إضعاف قوة المناعة، مما يؤدي إلى فتح الباب، لاستقبال أمراض مختلفة كثيرة.
وقد أثبتت بعض التجارب بمعرفة (Cooper & Aygen) أن المرضى لو تعلموا: كيف يجلسون جلسات خاصة للتأمل، لتعديل الإحساس بالزمن، فإن ضغط الدم والكولسترول ينخفضان بنسبة 20%..
ونحن نرى: أنه كلما تعود الانسان على التأمل والصلاة والذكر، وهي كلها صور للتعرف على حقيقة الوجود والعبادة الحقة .. فإنه يمكن لذلك الانسان أن يفهم معنى الحاضر الذي لا يغيب، والحاضر الدائم، وبذلك يصبح الزمن بالنسبة للانسان شيئًا مفهومًا، وليس ظاهرة مقلقة، أو تحمل في ثناياها ما يدعو إلى القلق ويترتب على ذلك أن تظهر الحوادث (كالمرض مثلًا) أقل إزعاجًا، كما أن الحوادث التي تحمل الألم أو القلق أو الإزعاج أو الأخبار التراجيدية، والتي تعودنا أن ننزعج منها بما يؤثر على أفكارنا، تصبح تلك الحوادث أقل ألمًا، ونكون نحن أكثر استعدادًا لامتصاصها، وتمر علينا بتأثير أقل بكثير مما اعتدنا عليه .. كما أن الإحساس بالوقت، الذي ينطوي على الخوف من المستقبل أو الموت، يبدأ في الاختفاء.
ويجب أن نعلم، أنه من الناحية الطبية: فإن الخوف والقلق والإثارة، والخوف من الموت، كل هذه الحالات تؤدي إلى زيادة ضغط الدم، وزيادة ضربات القلب وزيادة إفراز الأدرينالين، الذي يؤدي عادة إلى زيادة ضغط الدم، وزيادة ضربات القلب بصورة أبر، مما يؤدي إلى عدم التوازن الكهربائي بين المخ والقلب .. ولمقابلة ذلك كله: يحتاج الأمر إلى زيادة عمل القلب، مما يستلزم إسعاف المرضى بالأوكسجين.
العولمة ومستقبل العمل
أحمد أبوزيد
تسيطر على معظم الكتابات عن مستقبل العمل نظرة متشائمة متأثرة في الأغلب بعدم الشعور بالأمان نتيجة لاستفحال ظاهرة البطالة وازدياد الفقر واتساع الفجوات الاجتماعية بين شرائح المجتمع, حتى في الدول المتقدمة, واختفاء كثير من المهن لدرجة أن جون بيرجس الأستاذ بجامعة نيوكاسل ببريطانيا يتكلم عما يسميه The End of Career لصعوبة ملاحقة التغيرات في محكات ومعايير المهارات المطلوبة لممارسة الأعمال التي سوف تظهر في المستقبل. بل إن أحد علماء الاقتصاد الكبار وهو جيريمي ريفكن Jeremy Rifkin يذهب إلى أبعد من ذلك فيتكلم عن (نهاية العمل The End of Work) على اعتبار أن العالم قد وصل بالفعل إلى نهاية الطريق ولم يعد قادرا على توفير أو (اختراع) أعمال جديدة مبتكرة في ميادين الصناعة والنشاط الاقتصادي التقليدي, وإن كانت التكنولوجيا المتقدمة سوف تزيد من فرص العمل في مجال الخدمات, وبخاصة تلك التي تحتاج إلى مهارات ذهنية فائقة. والأدهى من ذلك في نظر هؤلاء الكتاب (المتشائمين) أن إمكانات العمل في هذه المجالات الجديدة ذاتها لن تجد من يكفي لشغلها لأنها تتطلب توافر مهارات وقدرات ذهنية يصعب على الكثيرين الوصول إليها مما سيؤدي إلى مزيد من تهميش القوى العاملة. ولذا فإن الأمر يحتاج إلى إجراء إصلاحات هائلة في هياكل المؤسسات الكبرى وبذل جهود مكثفة لتوفير فئات من المتخصصين فيما يطلق عليه اسم الاقتصاد غير المادي intangible, الذي يعتمد على القدرات الذهنية والتفكير النظري المجرد إلى حد كبير. وإن كانت هذه الإجراءات سوف تواجه بكثير من المقاومة والاعتراضات من القوى التقليدية, بل ومن المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ذاتها.
ومما يثير الأسى - كما يقول بعض هؤلاء الكتاب - أن فئات العاملين الفقراء أو من يطلقون عليهم اسم The Working Poor سيكونون هم ضحايا التقدم العلمي والتكنولوجي وسوف يعانون أكثر من غيرهم من جراء ذلك التقدم العلمي والتكنولوجي, الذي يؤدي إلى الاستغناء عن كثير من الأيدي العاملة غير الماهرة, وأن ذلك سيكون له آثاره الاجتماعية السيئة, التي تتمثل في زيادة الانخفاض في مستوى المعيشة وتدهور العلاقات الأسرية وارتفاع معدلات العنف والجريمة وغير ذلك من الشرور المرتبطة بالبطالة الكاملة أو الجزئية. وقد يمكن التغلب - من الناحية النظرية البحتة - على هذه الأوضاع السيئة عن طريق إعادة التأهيل, ولكن السؤال الذي لم يجد له حلا مقنعا حول هذا الموضوع هو: التأهيل لأي شيء بالضبط? فأوضاع المستقبل لم تتضح بعد بما فيه الكفاية, وهناك احتمالات قوية بظهور مفاجآت جديدة غير متوقعة في مجال البحث العلمي والاكتشافات والاختراعات التكنولوجية, بل وأيضا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, مما يضع قيودا شديدة على سياسات وخطط التدريب والتأهيل على المدى البعيد. وثمة بعض الأصوات التي تنادي بتطبيق مبدأ المشاركة في أداء العمل الواحد, بمعنى أن يوزع العمل الواحد الذي يقوم بأدائه في العادة شخص واحد بين شخصين أو أكثر للتغلب على ظاهرة البطالة, مع التنسيق بين هذه الجهود المتفرقة حتى لا يتأثر العمل أو يتعطل الإنتاج, ولكن المشكلة هنا أن ذلك الإجراء سوف يترتب عليه اقتسام الأجر عن العمل بين هؤلاء المشاركين وهو أمر مرفوض ولن يرضى به سوى الأشخاص الذين يفضلون العمل لبعض الوقت, فقط لأن ذلك يناسب ظروفهم الخاصة, وذلك فضلا عن أنه في كثير من الحالات لا يكفي العائد من عمل شخص واحد طيلة الوقت لسد احتياجات العائلة, مما يضطرها إلى البحث عن أعمال أخرى مساعدة .ومن الطبيعي أن تجد هذه النظرة المتشائمة من يعارضها من المفكرين والكتاب, الذين يرون فيها نوعا من السلبية الهدامة, خاصة أن التاريخ - كما يقول تشارلز جولدفينجر Charles Goldfinger وهو مستشار اقتصادي دولي كبير - يدلنا على أن الاختراعات والابتكارات التكنولوجية كانت تؤدي دائما إلى زيادة فرص العمل ولذا فالأغلب أن فكرة نهاية العمل لن تتحقق على أرض الواقع بل قد يكون العكس هو الأقرب إلى الصواب وأن الغد سوف يشهد زيادة ملحوظة في فرص العمل في مجالات جديدة بما يعوض التراجع والفقد في الأعمال التقليدية, بل وقد يزيد عليها. فالمستقبل في نظر المفكرين (المتفائلين) مليء بإمكانات العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات بالذات وطرق وأساليب تناول هذه المعلومات وتطويعها والإفادة منها عن طريق خدمات الكمبيوتر, وهذه مجالات خصبة للغاية, ولا تزال في حاجة إلى أعداد كبيرة من المتخصصين والعاملين من ذوي الخبرات الاستثنائية, الذين يستطيعون في الوقت ذاته توجيه هذه المعرفة وجهات تتفق مع احتياجات المستقبل, وبخاصة في مواجهة التغيرات الديموجرافية المتوقعة, ليس فقط بالنسبة للزيادة في عدد السكان أو حركات الهجرة المتزايدة, ولكن أيضا مواجهة المواقف التي سوف تنجم عن توقعات طول فترة الحياة, وازدياد حالات الشيخوخة واحتياجاتها من الرعاية الفيزيقية والاجتماعية والسيكولوجية وضرورة توفير أعمال تتعلق بتقديم هذه الخدمات.