فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 788

وبناء على ذلك فنحن نستطيع أن نستغل وقتنا الضائع بقراءة آية ، ومذاكرة حديث، واستغفار، وتسبيح، وتهليل، وصلاة، ودعوة، وقراءة، وتعليم وتعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، فسنشعر حينها بطعم البركة في أوقاتنا .

باستغلال أوقاتنا الضائعة نستطيع أن نحل مشاكل البطالة، بخدمة الناس، والسعي على الرزق ولو بالبسيط، والمشاركة في حل هموم المساكين والفقراء مع الجمعيات الخيرية .

باستغلال أوقاتنا نستطيع أن نستمع إلى دروس علمية، تشرح الكتب الطويلة عبر مسجِّل السيارة بدلًا من السرحان وسذاجة التفكير.

باستغلال أوقاتنا نحاول أن نكون أشدَّ إصرارًا على عدم تضييع ثانية من الإجازة الصيفية، وقد أخطأ من قال عنها عطلة فلا شيء في دين الإسلام اسمه عطلة وإنَّما راحة، والراحة تكون عبادة كذلك حين تكون النية للتقوي على طاعة الله.

باستغلال أوقاتنا نبتعد عن الروح الفوضوية ونشعر بأنَّنا منظمون، وحينها لا نشعر بوقت ضائع، ولا بعمل فائت.

باستغلال الأوقات تحاول المرأة وهي تطبخ وتعدُّ الطبيخ أن تستمع لشريط قرآن أو دروس أو محاضرات، أو تلهج بالذكر والاستغفار.

باستغلال الأوقات نستطيع أن نتفكر في مخلوقات الله ، أو نفكِّر تفكيرًا إيجابيًَّا في التخطيط لأعمالنا، فكم من فكرة خطرت في الوقت ، ينتفع بها المرء فيما بعد انتفاعًا عجيبًا.

حدَّث الإمام ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر بأنَّ هناك زوَّارًا ثقلاء كانوا يأتونه بكثرة، ولم يستطع أن يخرجهم من بيته، فكان يقطِّع الورق في ذاك الوقت الذي يأتيه فيه أولئك الثقلاء، ويبري الأقلام حتَّى إذا خرج الزوَّار شرع في التصنيف والتأليف والكتابة بأقلامه بتلك الأوراق التي قطَّعها فيكون وقته قد استغلَّه بما ينفعه فيما بعد.

وكان العلاَّمة الفقيه ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ يشرح لتلاميذه وطلاَّبه بعض المتون العلمية، وهو يمشي من بيته لمسجده الذي يؤمُّه، حيث كان بين المسجد وبين بيته مدَّة عشر دقائق، فكان يستغل هذا الوقت في شروح بعض المتون العلمية المختصرة، وأنجز شرح عدد من المتون في ذلك .

وسرُّ الاهتمام بالوقت أنَّ له عدَّة خصائص منها: سرعة انقضائه وأنَّ ما مضى منه لا يفوت وأنَّ الوقت أثمن ما لدى الإنسان، فالمسلم إذًا لا يعرف الفراغ؛ لأنَّ الوقت أغلى من الذهب فهو الحياة بكاملها، والمسلم حين ينتهي من شغل معيَّن يشرع في شغل آخر، ويذبح الفراغ بسكين العمل، ولهذا كان سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يولون للوقت عناية خاصَّة، فهاهو الحسن البصري ـ عليه رحمة الله يقول ـ: ( لقد أدركت أقوامًا كانوا أشدَّ حرصًا على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم ) وَوُصف رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بأنَّه لا فراغ لديه في وقته كما تقول عائشة: (ولا رئي قط فارغًا في بيته) صفة الصفوة (1/200) .

ولكنَّ الوقت الآن وللأسف صار عبئًا على كثير من الناس ، وصار كثير منهم يقول: ( تعال لنقطع الوقت) إلى غير ذلك من الكلمات التي تدل على رخص الوقت عند هؤلاء المساكين، الذين لم يعرفوا قدر أوقاتهم، وصدق من قال: من علامة المقت إضاعة الوقت.

لقد أصيب كثير من أبناء وبنات المسلمين بنوعية عجيبة في الانتحار الجماعي عن طريق هدر الأوقات في الأمور الفارغة ، ما أدَّى بهم الحال إلى أن ينشغلوا بالتوافه أو الأمور المحرمة ، ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: ( إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل)

فالفطن إذًا يستغل وقته ويعلم حقيقة ما خلق له، والخاسر من يتهاون به ويشغل نفسه بالحرام والباطل، وقد نقل عن أحد العلماء أنه قال: (من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجلة أثَّله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه) .

وأخيرًا: رحم الله الإمام ابن هبيرة حين قال:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع

والسلام....

كيف نستثمر أوقاتنا

الوقتُ أنفسُ ما عنيتَ بحفظه *** وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد:

فمن تتبع أخبار الناس وتأمل أحوالهم، وعرف كيف يقضون أوقاتهم، وكيف يمضون أعمارهم، عَلِمَ أن أكثر الخلق مضيِّعون لأوقاتهم، محرومون من نعمة استغلال العمر واغتنام الوقت، ولذا نراهم ينفقون أوقاتهم ويهدرون أعمارهم فيما لا يعود عليهم بالنفع .

وإن المرء ليعجب من فرح هؤلاء بمرور الأيام، وسرورهم بانقضائها، ناسين أن كل دقيقة بل كل لحظة تمضي من عمرهم تقربهم من القبر والآخرة، وتباعدهم عن الدنيا .

إنَّا لنفرحُ بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى جزءٌ من العمرِ

ولما كان الوقت هو الحياة وهو العمر الحقيقي للإنسان، وأن حفظه أصل كل خير، وضياعه منشأ كل شر، كان لابد من وقفة تبين قيمة الوقت في حياة المسلم، وما هو واجب المسلم نحو وقته، وما هي الأسباب التي تعين على حفظ الوقت، وبأي شيء يستثمر المسلم وقته .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم، وأن يرزقنا حسن الاستفادة من أوقاتنا، إنه خير مسئول .

قيمة الوقت وأهميته

إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بديهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يبين هذه الحقيقة بقوله:"وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته... . فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته".

ويقول ابن الجوزي:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل".

ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، كما في قوله تعالى: ( واللَّيْلِ إِذَا يَغْشى والنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (، ( وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ( ،( وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ ..( ، ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْر( . ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته .

وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله ( قال:"لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" [ رواه الترمذي وحسنه الألباني ] . وأخبر النبي ( أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولابد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت . وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في الباقيات الصالحات،يقول (:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ" [ رواه البخاري ] .

واجب المسلم نحو وقته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت