ولا يقتصر دور المذكرات لكتابة النقاط الهامة؛ حتى لكتابة القضايا التي لم تفهمها وتتطلب توضيح أكثر، أو زيادة تفصيل وشرح. وليس هناك طريقة وحيدة لكتابة المذكرات بل كل شخص له أسلوبه الخاص في تدوين المذكرات، ولكن الأمر المشترك في كتابة المذكرات أن المذكرة يجب أن تحتوي على اسم المرجع، ورقم الصفحة، ويشترط أن تكتب لك مذكرة عنوان خاص يميزها عن غيرها ويدل على محتوى المذكرة، وكذلك لا بد أن تكتب المذكرة بأسلوبك فلا تنسخ ما هو موجود في الكتاب وإنما دون بأسلوبك وعباراتك ما استخلصته من معلومات هامة، ويفضل في كتابة المذكرات أن تكون بعد قراءة كل فصل كاملًا حتى تكون قادرًا على الربط بين التفاصيل والأحداث الهامة.
رابعًا: قبل أن تشرع في قراءة الكتاب، يجب أن تضع أسئلة، ـ فمن صفات القارئ الرديء أنه لا يضع أسئلة ولا يجيب على أي سؤال يتبادر إليه ـ اكتب هذه الأسئلة في ورقة وضعها على غلاف الكتاب: ماذا يبحث الكتاب بمجمله؟ ما مدى أهمية المعلومات التي طرحها؟ هل الكتاب شامل في تناوله للموضوع؟ كيف تناول الكتاب عرض أفكاره؟ ثم تضع أسئلة متعلقة بخصوصية الموضوع وتبحث عن أجوبة لجميع أسئلتك. فلو كنت تقرأ كتابًا عن"الجهاد"فاكتب قبل ما تقرأ جميع ما يثيرك حول موضوع الجهاد على أن تكون الكتابة على شكل أسائلة، أجهد نفسك لكتابة كل ما يمكن أن يثار حول موضوع الجهاد، فهذه الأسئلة تجعلك أكثر فعالية وكلما كانت الأسئلة أكثر وأوضح كلما كانت القراءة أكثر قوة ونقدًا. وخلال قراءتك ابحث عن أجوبة لأسئلتك.
خامسًا: ناقش الكتاب، ضع الإشارات والعلامات على الكتاب، وإن كان هناك بعض القراء يرفضون هذه الطريقة ولكنني أجد أنها أسلوب فعّال لعملية الاستيعاب وهي تدل على مقدار التفاعل مع الكتاب، وإيجاد نوع من النقاش البناء مع ما هو مدون في الكتاب. إن موافقتك للكتاب و مخالفتك و علامات التعجب والاستفهام يجب أن تظهر واضحة في الكتاب.
وهناك وسائل كثيرة يمكن استخدامها لعلمية الحوار مع الكتاب وأشهر تلك الطرق وأكثرها استعمالًا هي وضع خطًا تحت أو فوق الجمل الرئيسة، أو وضع خطًا شاقوليًا لعدة فقرات في هامش الفقرات المهمة، وكذلك وضع خطًا أحمرًا تحت الجمل الهامة، أو وضع علامة استفهام لما استكشل عليك، ووضع نجمة بجانب الفقرات التي تحمل فكرة هامة وتتطلب دراسة أكثر، ووضع دائرة دلالة على أن هذه الفقرة لها علاقة بفقرات سابقة أو لاحقة، أو طوي أسفل الصفحة، وبعضهم يستخدم الورقة الفارغة الموجودة في أخر الكتاب لكتابة ملخصات صغيرة أو عناوين عن المواضيع الهامة وبجوارها أرقام الصفحات التي وردت في الكتاب، أو يستخدم قصاصات ورق يجعلها في الكتاب ويدون فيها الأشياء الهامة.
بعد القراءة:
عند انتهاءك من قراءة الكتاب لا يعني إنهاء العلاقة بالكتاب، فلتثبيت المعلومات يتطلب الأمر مراجعة ما قرأت، ولكن قبل المراجعة يجب أن تجاوب على هذه الأسئلة:
• ما المواضيع التي احتاج إلى مراجعتها؟
• كم من الوقت احتاج لمراجعة كل موضوع؟
• ما أماكن القوة والضعف لدي؟
وخلال مراجعتك لابد أن تجاوب على جميع الأسئلة التي دونتها خلال قراءتك، فلا تعني المراجعة إعادة القراءة بشكل سريع على أمل أن تستعيد ذاكرتك كل المعلومات؛ بل هي أكثر من مجرد القراءة فهي تتطلب الكتابة، والتحدث، والنقاش، وتحليل الأفكار المتعلقة بالموضوع؛ بل أحيانًا يتطلب الأمر إعادة قراءة فصول كاملة كي تفهم ما قرأت بشكل واضح.
والمراجعة أحيانًا تتطلب وجود شخص يناقشك، فالمناقشة طريقة قوية لتحسين مستوى التعليم والتذكر، يقول النووي ـ رحمه الله ـ:"فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ويتأكد ويتقرر ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة انفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيام"وإن لم تجد أحداّ تراجع معه فليس هناك خيار أن تراجع لوحدك، قال الكناني ـ رحمه الله ـ:"فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه وكرر ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده."وطردًا للملل قسّم الموضوع إلى وحدات على أن تكون المراجعة في وقت نشاطتك الذهني، وعند انتهاءك من المراجعة لا يعني قطع الصلة بالكتاب؛ بل لا بد من إعادة المراجعة بعد أسبوع تقريبًا وقد يتطلب الأمر مراجعة الكتاب عدة مرات فيعتمد ذلك على مقدرة ذاكرتك وعلاقتك بالموضوع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
مناسك الحج إنجاز في العمل وضبط للمواعيد
أ.د/ ناصر بن سليمان العمر
عجيب أمر هذا الدين، إنه دين عملي واقعي، بعيد عن المثاليات والتنظير، مع العظمة والسمو والكمال، تنزيل من حكيم حميد.
لقد بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في أمة كانت تعيش قمة الفوضى والجهالة، وقلة الإنتاج، عالة على غيرها؛ اعتداء، أو استجداء، أو تكسبًا، ليس لديها ما تقدمه للآخرين سوى وجود بيت رب العالمين في أرضها، وهذا لا فضل فيه ولا منة، بل هو تقدير واختيار الحكيم العليم.
وما هي إلا سنوات معدودة، من بعثة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، فإذا أولئك القوم يصبحون مضرب المثل في القدوة والجهاد والإحسان للآخرين، وبذلك استحقت أن تكون:"خير أمة أخرجت للناس".
ما سرُّ ذلك؟ وأين تكمن الحقيقة؟ وكيف الوصول إلى هذه القمة الشمّاء؟ إنه بكلمة واحدة: الالتزام العملي بالكتاب والسنة، وتحويل (نصوصهما) إلى واقع حي يمشي على الأرض.
دعونا نقرب المسألة أكثر فنقول: لو أن رجلًا ذهب إلى أبرع المهندسين، وأقواهم رؤية وتخطيطًا، ثم صمّم له بيتًا؛ يحسده من نظر إليه؛ لجماله وحسن مرآه، ولكن ذلك الرجل اكتفى بهذا المخطط، ولم يضع منه لَبِنَةً على الأرض، هل يقيه ذلك من الحر أو البرد؟ أو يحميه من العدو وهوام الأرض؟.
وهب أنه نفّذه تنفيذًا قاصرًا، بخلاف ما رسمه له مصممه، كيف سيكون شكله؟ وهل سيتحقق الغرض من بنائه؟ بل قد يخرّ عليه السقف من فوقه فيكون فيه هلاكه وذهاب حياته، وسيقول له الناس: على نفسها جنت براقش، ويداك أوكتا وفوك نفخ، وهذه حال كثير من الناس -اليوم-، فمنهم المسلم بالاسم، ويصدق عليهم ما صدق على الأعراب من قبل:"قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا"، وآخرون"خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم"، وفئة اقتفت الأثر، وسارت على الطريق وقليل ما هم،"وقليل من عبادي الشكور".
وبالجملة"فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير". وأمتنا -اليوم- أحوج ما تكون إلى القوة، والانضباط، والاستغناء عن الآخرين، وبالأخص عن أعدائها؛ استعدادًا للمعركة الفاصلة، مع هذا العدو الشرس الذي كشّر عن أنيابه، وأعلن عن أهدافه، فلم يعدِ الأمرُ سرًّا، ولا يحتاج إلى فراسة أو تنبّؤ،"قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"، وتكافؤ المعركة يُوجب:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم".
إن هذا الدين سهلٌ ممتنع، يسير وعظيم، إنه مدرسة كبرى تتربى فيها الأجيال، ويعدّ فيها عظماء الرجال، تلك المدرسة التي خرّجت أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، وسعدًاَ، وخالدًا، والمثنى، وأبا عبيدة، وأفذاذ الرجال من الصحابة والتابعين وخير القرون المفضلة -رضي الله عنهم أجمعين-.