سابعًا: لا تذهب إلى القراءة وأنت في حالة عصبية منفعلة، أو تشعر بالضغط النفسي والإكراه فإن عملية الاستيعاب تعتمد بدرجة عالية على مقدار حضورك الذهني. احرص دائمًا أن تقرأ وأنت بشوق ومحبة للقراءة. فقراءة الراغب المحب ليست كقراءة المكره المضطر. اجعل عقلك ومشاعرك وعواطفك تدفعك إلى القراءة، انطلق إلى القراءة بكلك لا ببعضك لكي لا يتشتت ذهنك وتضيع وقتك. وقد حذر أسلافنا من القراءة في حالات انشغال البال، فيقول الكناني رحمه الله:"ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر"فالقراءة نشاط ذهني يشترط فيها هدوء الذهن واستقراره كي يفهم ما يقرأ.
ثامنًا: فكر كثيرًا في الكتاب، وحاول دائمًا أن تحدث نفسك عن قراءة الكتاب الذي اخترته، وأنك سوف تنهيه في الوقت المحدد، حدّث نفسك أنك لن تجعل أحد يعوقك عن المضي في مشروعك هذا، اجعل الدافع ينبعث من ذاتك لكي يكون أدائك أكثر إبداعًا. ومما ينبغي ذكره، ويجمل العمل به هو الاستعانة بالله عز وجل ودعاءه في قراءة هذا الكتاب والاستفادة منه، فالاعتماد على الله عز وجل من أقوى الطرق في تحقيق ما تصبو إليه مع سلوك ما أمر الله به من اخذ الأسباب الصحيحة لتحقيق ما تريد.
خلال القراءة:
أولًا: لا يكن همك من القراءة إنهاء صفحات الكتاب؛ بل اجعل الغاية هي فهم ما بين يديك، ومن العبارات المشهورة الصحيحة: لا تسأل كم قرأت ولكن كم فهمت، فإذا كان هدفك إنهاء الكتاب فقط فإنك بهذا تسعى إلى إجهاد نظرك من غير طائل، والقراءة الجيدة الإيجابية يجب أن يصاحبها التفكير والاستنتاج وأعمال الفكر في المقروء فالهدف الأساسي من القراءة هو فهم ما تقرأه، ولا يتم الفهم إلا بالتفكير في المقروء، ووضع الأسئلة واكتشاف الأجوبة من خلال القراءة.
وخلال قراءتك ستجد أشياء لا تستطيع فهمها، فلا تتذمر أو تتضجر فهذا أمر طبيعي يحدث لكل واحد منا، ولفهم ما أشكل عليك حاول قراءة ما استعصي عليك مرة أخرى ولكن بطرقة مغايرة:
• دوّن في ورقة خارجية تلخيصًا لما قرأت.
• اقرأ بصوت مسموع وببطء.
• حاول أن تتخلى عن استنتاجك السابق واقرأ بنظرة جديدة ومغايرة.
إذا لم تفهم فلا تيأس، استمر في قراءتك فهناك احتمال كبير أن تفهم هذه الإشكالية بعد الانتهاء من قراءة الكتاب. وهنا ألفت نظرك إلى أمر مهم وهو في حالة عدم فهمك لجزئية معينة لا تستعجل في السؤال عنها؛ بل أعط نفسك الفرصة للتفكير والتأمل والمدارسة مع الكتاب، فربما قليل من التفكير يقودك إلى فهم ما تريد، ونحن بحاجة إلى بناء عقول قادرة على الاكتشاف والاستنتاج، تعتمد على قدراتها وطاقتها، فالاعتماد كثيرًا على قول الشيخ والمعلم يعني بذلك تهميش عقولنا، فاجعل دومًا قراءتك عملية بحث واكتشاف مستصحبًا الصبر والجلد لكي تفهم وتستوعب ما تقرأه.
ثانيًا: أقرا بتركيز، فالتركيز هو لب القراءة وجوهرها الأساسي، وقراءة بدون تركيز ضياع للوقت والجهد، فمستوى نجاحك في القراءة يعتمد ـ بعد توفيق الله ـ على درجة تركيزك، والتركيز عملية تحكم وانضباط وترويض للنفس حتى يكون لدى الشخص القدرة على الاستغراق في عملية القراءة، فهو مهارة يتعلمه المرء كما يتعلم أي مهارة أخرى. ونحن قد نستطيع القراءة لفترة طويلة ولكننا قد لا نستطيع أن نملك المتابعة الذهنية والتركيز فيما نقرأ. فما سبب ذلك؟
لا شك أن هناك معوقات تصد القارئ عن مواصلة التركيز ومن تلك المعوقات التي يجب الحذر منها تشتت الذهن والاسترسال مع الأفكار الجانبية، والشرود في خيالات وهمية، ولقوة التركيز لا تدع الأفكار العشوائية تسيطر على مسار تفكيرك وتقودك حيثما شاءت، فلا تنجذب مع كل فكرة أو خاطرة تراودك، اهتم بما في يدك، وإن شعرت أنك لن تستطيع أن تتغلب على شرودك الذهني فحاول أن تغير مكانك أو اشغل نفسك بشيء آخر غير القراءة حتى ترحل هذه الأفكار العارضة، حاول أن تقلل من ارتباطاتك وأشغالك فإن ذلك يشتت الذهن.
وكذلك مما يعوق عملية التركيز عدم الثبات على أمر والانتقال من كتاب إلى آخر ومن علم إلى علم آخر، فلا يكاد ينجز في حياته كتابًا أو يتقن فنًا من فنون العلم وهذا داء علاجه العزم والإصرار على إتمام ما بدأ به.
وكذلك من عوائق التركيز خلال القراءة الضجر والملل، والقراءة عملية ذهنية تتطلب نفسًا تئدة صابرة. جدّد همتك وعزيمتك بقراءة سير أولي الإنجازات الضخمة. أجلس مع ذوي الهمم العالية. تذكر دائمًا هدفك، ضع أهدافك دائمًا نصب عينيك ولو أن تكتب هدفك على المكتب وجدار الغرفة أمامك، غير جدول قراءتك، وغير بين الكتب إذا مللت، إذا تعبت وأجهدت فخذ قسطًا من الراحة، لا ترهق نفسك فالإنسان له طاقة محدودة فإن احتجت إلى النوم فنم، ثم عد بعد ذلك وأنت أكثر نشاط.
إن الحياة اليوم أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدًا؛ فمتطلباتها أصبحت أكثر، مما نتج عن ذلك الضغط النفسي ـ مرض العصر ـ فنحن مطالبون بالتعلم والعمل والإنتاج أكثر مما كان يطالب به أسلافنا، وحالة التركيز تتطلب منك أن تقلل من مستوى الضغط النفسي خلال قراءتك؛ لذا يجب أن يكون لديك المهارة في التخلص أو تقليل الضغط النفسي الذي نشعر به كي تكون أكثر تركيزًا، ومن العوامل المساعدة في تخفيف الضغط النفس هو إتقان مهارة إدارة الوقت والتنظيم وكيفية التعامل مع الذات.
ابحث عن كل طريقة تبعث فيك الحماس والنشاط، فالأمر يتطلب تربية جادة للنفس حتى تكون قادر على التركيز والاستغراق فيما تقرأ. فإن ضعف التركيز له آثار سلبية أشدها أنه ينتج لدى الشخص عدم الفهم أو سوء فهم وتصور خاطئ لما يقرأ. قد تكون بحاجة إلى قدر من الانضباط لتتغلب على الاتجاه الطبعي نحو الكسل أو الملل أو السآمة والإحباط أو الرغبة في عمل شيء آخر فمما تدركه العقول السليمة أن الإنجاز والنجاح يسبقه آلام ومصاعب تتطلب صبر وتحمل وهمة عالية، فلا بد من إجبار النفس وترويضها وتربيتها وبذل جهد شاق لتتغلب على مشاعرك ورغباتك حتى يكون التركيز والاستغراق والانهماك في القراءة جزء أساسي من شخصيتك.
ثالثًا: دون ما تقرأ، فمن أساسيات القراءة تدوين المذكرات، فبقدر ما تستطيع اكتب كل شيء تراه مفيدًا وهامًا حتى وإن كنت صاحب ذاكرة قوية فذة فأنت مطالب بكتابة المذكرات لتكون قارئ جيد، فكتابتك للمذكرات يعني استخدام أكثر من حاسة، والمذكرات تعتبر حجر الزاوية لنجاحك في هذا الطريق فهي تساعدك على التركيز، والفهم، والتذكر، وكذلك تحفزك للبحث أكثر في الموضوع، وتسد الثغرات العلمية لديك، مع إثارة لكثير من الأسئلة، بالإضافة إلى أن التحليل المنطقي للمذكرات يعتبر الخطة الأولى لإيجاد معلومات تفصيلية أدق في البحث فهي الخطو الأولى لكتابة الأبحاث والأعمال الطويلة.