كما يلحظ هذا التشديد على أداء صلاة الجمعة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: « لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين » (3) .
وفي التأكيد على الالتزام بهذه الصلاة إشارة إلى أهميتها وفضلها، وفي ذلك ما يدل على أهمية وفضل اليوم الذي تقع فيه.
وفضل هذا اليوم لا يقف عند هذا الحد، بل يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة » (4) .
(1) ابن منظور: لسان العرب، مادة (جمع) ، ج 8، ص 53 .
(2) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص 202 السمين الحلبي: عمدة الحفاظ ج 1، ص 337 .
(3) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب رقم 12، حديث رقم 865، ج 2، ص 495 .
(4) رواه ابن حبان. انظر: صحيح ابن حبان مع تقريب الإحسان، كتاب الصلاة، باب رقم 30، حديث رقم 2770، ج 7، ص 5. وللتوفيق بين هذا الحديث ومثله من الأحاديث الدالة على أن يوم الجمعة هو أفضل الأيام، وبين ما جاء عن يوم عرفة أنه أفضل الأيام، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ''ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب رقم 79، حديث رقم 1348، ج 2، ص 802) للتوفيق بين ذلك، قال الزرقاني: ''الأصح أن يوم عرفة أفضل أيام السنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ''. انظر: الزرقاني: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ج 1 ، ص 318 .
وفي هذا اليوم ساعة عظيمة، يستجاب فيها الدعاء؟ كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في الجمعة لساعة، لا يوافقها مسلم قائم يصلي، يسأل الله ، إلا أعطاه إياه » (1) . وفي هذا اليوم حدثت أمور عظيمة، أخبر بوقوعها الذي لا ينطق عن الهوى، فقال: « خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة » (2) .
وفي الإخبار عن وقوع الأمور العظام فيه، واختصاصها به دون سائر الأيام، حض على الاستكثار من الطاعات فيه، وزجر عن مواقعة المعاصي (3) .
(1) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب رقم 4، حديث رقم 852، ج 2 ، ص 489 .
(2) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب رقم 5، حديث رقم 854، ج 2، ص 490 .
(3) انظر: الباجي: المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، ج 1، ص 201 .
إلى غير ذلك من الخصائص والفضائل العديدة لهذا اليوم، التي ألفت فيها الكتب والمصنفات .
سابعا: وقت السحر
ومن الأزمان التي أشار القرآن الكريم إلى فضلها وقت السحر . ووقت السحر هو الوقت الذي يسبق طلوع الفجر. ومنه السحور وهو اسم الطعام الذي يؤكل في وقت السحر (1) .
يقول سبحانه واصفا حال عباده المتقين الموعودين بالجنات، مادحا فيهم صفة الاستغفار في هذا الوقت: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } (2) ويقول عنهم في موضع آخر: { وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (3) ، وذكر القرآن الكريم أن هذا الوقت هو الذي نجى الله فيه آل لوط، قال تعالى: { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ } (4) .
أما الحكمة من تخصيص وقت الأسحار بالاستغفار، فهي أن هذا الوقت هو وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية، ذلك
(1) الرازى: التفسير الكبير، ج 3، ص 167.
(2) سورة آل عمران الآية 17
(3) سورة الذاريات الآية 18
(4) سورة القمر الآية 34
أن وقت السحر هو أطيب أوقات النوم، وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة في التوجه إلى الله وافرة، فيكون الدعاء في هذا الوقت أقرب للإجابة، والذكر والاستغفار أعظم ثوابا .
ويكون سبحانه في هذا الوقت من الليل قريبا من عباده، كما دل عليه الحديث الصحيح: « إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يعطى، هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، حتى ينفجر الصبح » (1) .
فالاستغفار في هذه الفترة الزمنية الفاضلة منة من الله سبحانه وتعالى، لا يفقهها إلا من ذاقها، وشعر بها في خلجات نفسه، فالتقت روحه مع خالق السماوات والأرض.
"والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة، ولفظة (الأسحار) بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر، الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن، وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة، فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار، ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء، وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ"
(1) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب رقم 24، حديث رقم 758، ج 1 ، ص 439 .
الكون وبارئ الإنسان" (1) ."
(1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 1، ص 376 .
الخاتمة:
بعد هذه الجولة مع"قيمة الزمن في القرآن الكريم"، فإنه يجدر بنا أن نسجل أهم النتائج التي تم التوصل إليها:
1 -الزمن ذو قيمة عظيمة، فهو أثمن وأنفس ما يملك الإنسان؛ لأن أعز شيء لدى الإنسان وهو عمره وحياته، ما هو في الحقيقة إلا زمن.
2 -عني القرآن الكريم بالزمن، فعده من النعم العظيمة، وعده من الآيات الدالة على وجود الله، كما أشار القرآن الكريم إلى قيمة الزمن، وحث على استثماره في الخير.
3 -أقسم القرآن الكريم بالزمن وبمفرداته، ففي القسم بالزمن أقسم بالعصر، وفي القسم بمفرداته أقسم بالفجر والصبح والضحى والشفق والليل والنهار والليالي العشر ويوم القيامة والعمر. وقسم القرآن بالزمن يدل على أهميته وعظمته.
4 -اختص سبحانه بعض الأزمنة بالفضل، وهي إضافة إلى الأزمان المقسم بها: الأشهر الحرم وشهر رمضان وليلة القدر وأيام التشريق ويوم الجمعة ووقت السحر. وتخصيص هذه الأزمنة بالفضل حري به أن يشجع المسلم على الإفادة منها في الخير، واستثمارها في العمل الصالح.
حديث شريف
عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » (1)
رواه الإمام مسلم
(1) صحيح مسلم الإيمان (153) ، مسند أحمد (2/350) .
خط الزمن ...
الكاتب د.عوض بن عودة
إن ممارسة خط الزمن هي من ممارسات البرمجة اللغوية العصبية، و التي تعتمد على الذاكرة وطريقة تخزين المعلومات فيها. فأصحاب ممارسة الخط الزمني (تاد جيمس و وايت وود سمول وغيرهم) يزعمون أن التسلسل الزمني هو العنصر الرئيس في شخصية الإنسان، وعن طريقه يمكن معرفة وفهم شخصية الإنسان. فذكريات وقرارات وتجارب وأقدار الإنسان الجيدة والسيئة السابقة والآنية والمستقبلية تُجمع في هذا التسلسل الزمني طوال الوقت، وتحدد كيفية تعلقها بالحياة (كتاب خط الزمن و أساس الشخصية لتاد جيمس و وايت وود سمول) . وهذا التقرير السابق الذكر يعني أن خط الزمن تجري عليه الأقدار وهو مصدر ومخزن الأحداث .