فلو ألقينا التساؤل على أنفسنا: ما الهدف من وجودنا؟ لكانت إجابتنا جميعا القيام بعبادة الله - تعالى -وحده امتثالا لقول الحق جلا وعلا"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"فإذا كانت عبادة الله - تعالى -هي الغايةُ وهي الهدف من وجودنا، فيا تُرى ما هي عَلاقة العبادة بالوقت؟ ولعلي أشير إلى مفهوم العبادة الصحيح حتى يتبين لنا إمكانيةُ الربطِ بين مفهومُ العبادةِ الصحيح وبين استغلال الوقت بما ينفع، فالعبادة كما يعرفها العلماء ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله تعالى -أنها"اسم جامع لكل ما يحبه الله - تعالى -ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"وإذا عرفنا هذا، تبين لنا أنه ليس هناك وقت للعبادة في حياة الإنسان ووقت آخر لغير العبادة، ولذلك تجد كثيرا من الناس يخطئون في فهم هذه الحقيقة، فيظنون أن وقت العبادة هو أوقات الصلوات الخمس أو هو وقت رمضان أو حينما يؤدون الحج أو يزاولون أركان الإسلام الأساسية المحددةِ بزمان وربما بمكان معين، نعم.. لا شك أن هذه الأشياء هي الأساسية في الدين، ولكن مفهومَ العبادةِ أشملُ من هذا، ومفهوم العبادةُ الصحيح هو أن يتصور الإنسان أنه عبد لله - تعالى -في كل وقت، سواءٌ كان في وقت الصلاة أم في غيرها، في داخلِ المسجد أم خارجه، في حال السراء أم في حال الضراء، فإذا انطلق المسلم من هذا التصور أصبح في عبادة الله - تعالى -، ويَعتبرُ أيَ عمل قام به مادام مراعيا جانب الله - تعالى -مستشعرا مراقبة الله - تعالى -له فهو في عبادة الله - تعالى -، حتى الأمورَ التي يزاولها في كل يوم وليلة من مأكل ومشرب ومنكح ولهو مباح حتى النوم يُصبح الذي ينامه هو في حقيقية الأمر عبادة الله - تعالى -، ولذلك يقول أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل - رضي الله عنه -"إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"فحين يفهم المسلمُ العبادة حق الفهم بهذا المعنى يستطيع أن يحافظ على أوقاته وأن يستثمرها بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، لأنه حينما يضيّع وقتا من أوقاته فإنما يخل حقيقة بمفهوم العبادة الذي ذُكر آنفا، وأنتِ أيتها المرأة المسلمة حينما تزاولينَ حفظ ما استودع الله - تعالى -في بيتك من أمانات من مال الزوج أو من عرضه أو من تربية أبنائه أو أي عمل من الأعمال، حينما ترتبط هذه الأمور منكِ بنية صالحة وهدفٍ نبيل إنما تتحول إلى عبادات تؤجرين عليها، ولك أن تسمعي إلى هذا الحوار من امرأة سلفت، هذه المرأة هي أسماءُ بنتُ يزيدِ بنِ السكن الأنصارية - رضي الله عنها - وهي المرأة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وهو في أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدتُ النساءِ إليك، إن الله - تعالى -بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فأمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصوراتٌ مقصورات، قواعدُ بيُوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملاتُ أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضلتم علينا في الجُمع والجماعات، وعيادةِ المرضى وشهودِ الجنائز والحجِ بعد الحج، وأفضلُ من ذلك الجهادُ في سبيل الله - تعالى -.. إلى أن قالت: وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو مجاهدا، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم في هذا الأجر؟ فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه بوجهه كلِّه ثم قال: هل سمعتم بمقالةِ امرأةٍ قط أحسنُ من مسائلها في أمر دينها من هذه المرأة؟ فقالوا يا رسول الله: ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثلِ هذا، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفكِ من النساء أن حُسْنَ تبعُّلِ المرأةِ لزوجها، وطلبِها مرضاتَه، واتبَاعَه موافقته يعدِل ذلك كله، فانصرفت وهي تهلل" [رواه بن حجر في الإصابة والذهبي في سير أعلام النبلاء] إذا: والمرأة تزاول هذه الأعمال والتي تتصور بعض النساء وهي تزاولها إنما هي تزاول أمورا قد لا تُؤجر عليها أو لا فائدة منها وإنما عليها في ذلك التعب والنصب، هذا فهم خاطئ وإنما الحق أنها تؤجر على كل صغيرة وكبيرة لكن بشرط أن تستشعر مراقبة الله - تعالى -وإخلاصها في أي كل عمل تقوم به."
كيف تقضي المرأة وقتها ( 2 )
سلمان بن يحيى المالكي
ـ العنصر الثاني من المنطلقات الأساسية لحفظ الوقت: قِصَر أعمار هذه الأمة بالنسبة للأممِ قبلها.
فالأمم التي قبلنا قد أمدّ الله في أعمارها، حتى ليتجاوزُ عمرُ الإنسانِ منهم الألفَ سنة أقل من ذلك أو أكثر، وهذا نوح - عليه السلام - مكث في دعوته تسعمائةٍ وخمسين عاما"فلبث فيهم ألف عام إلا خمسين سنة"وعليه فإذا كانت أعمار الأمم قبلنا طويلة جد طويلة، فأعمار أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة للأمم السابقة قصيرة جد قصيرة، يقول المعصوم - صلى الله عليه وسلم -"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك"فإذا قارنّا بين هذا العمر القصير وبين هذه الأعمار المديدة التي مدّ الله - تعالى -في عمر من قبلنا، أدركنا أهميةَ الوقت بالنسبة لنا، وأدركنا الحاجة الماسة إلى استغلال كلِ نفسٍ من أنفاسنا، وإلى استثمار كلِ لحظة من لحظاتِ أوقاتنا، هذا فضلا عن مراحلِ عمر الإنسان في حياته، فإنه يبدأ ضعيفا بالصبوة ثم ينتهي ضعيفا بالشيخوخة، فهناك أجزاء في عمر الإنسان في بدايته ونهايته قد لا يكون استثماره لها أو الاستفادة منها على الوجه المطلوب، ولهذا أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اغتنام ساعات العمر قبل انصرامها حينما قال: اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحَتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك" [رواه أحمد] ولهذا انتبه سلفنا الصالح إلى أهمية الوقت في حياة الإنسان، فهذا ابن القيم - رحمه الله - يشبّه عمر الإنسان بساعاته وأيامه وشهوره وسنواته فيقول"السنة شجرة، والشهور فروعها، الأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمره شجرته طيبة، والعكس بالعكس""
كيف تقضي المرأة وقتها ( 3 )
سلمان بن يحيى المالكي
العنصر الثالث: سرعة الزمن
وسرعة الزمن كثيرا ما نتحدث عنها، فنقول كثيرا ما أسرع الزمن وما أقصر الوقت، وهذا القول له أصل في الحقيقة، فالزمن سيفٌ بتّار، وهو لا ينتظر الغافلين المعرضين حتى يستيقظوا، بل إن كلَ نفَس يتنفسه الإنسان هو من عمُره، وهو جوهرةٌ ثمينة، وكلُ يوم تغيب شمسه لا يعود إلى الدنيا مرة أخرى، كسِب فيه من كسب وخسر فيه من خسر، وسيكونُ هذا اليومُ الغائب شاهدا للإنسان أو شاهدا عليه، يُروى عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى -أنه قال:"ما من يومٍ ينْشقُّ يومه إلا وينادي، يا ابن آدم: أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة"وكلما كان الإنسانُ أيها الإخوة والأخوات سليما معافا كان الوقتُ في نظره أقصر، وعلى كلِ حال فالزمن ماضٍ، وكما قال الأول:
مرّت سنينٌ بالوِصالِ وبالْهَنا *** فكأنها من قُصْرها أيام
ثم انْثنت أيامُ هجرٍ بعدها *** فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلكَ السُنونُ وأهلها *** فكأنها وكأنهم أحلام