قال مطرف بن عبد الله -رحمه الله-:"إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيمًا لا موت فيه" (13) ، ولا ندري من يعيش يومًا آخر أَوْ عامًا جديدًا؛ بل لو تأملنا أعمارنا على اختلاف فيما بيننا لوجدنا أن عمرنا المنصرم سواءً أكان أربعين سنة أم ثلاثين أم عشرين.. أشبه بدقائق مرت مرور الكرام، وهكذا الحياة الدنيا قصيرة؛ فالحذر من التقصير!، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-:"ما لي وللدنيا، إنما مَثَلي وَمَثَلُ الدنيا كمثل راكبٍ قَالَ في ظِلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وتَرَكَهَا"، وعن ابن عمر-رضي الله عنهما- قال أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابرُ سبيل". وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساءَ، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (رواه البخاري) (14) وخرجه الترمذي، وزاد فيه:"وعُدَّ نَفْسَكَ من أصحاب القبور". (15)
فالحذر الحذر من الاغترار بالدنيا والانغماس في شهواتها، قال أحد السلف:"لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد". (16)
فالإنسان المسلم يُؤمن بما بعد هذه الحياة الدنيا فيُدرك قيمة الزمن، ويُسخر ساعات هذه الحياة للبِرِّ والتقوى، وللعمل بما يُرضى الله تعالى (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم) . (17)
7ـ دور الأمة في تسخير الأوقات:
إن الأمم تحسب أعوامها بمقدار ما تبنيه وتقدمه للبشرية جمعاء، فالسلف الصالح-رضوان الله تعالى عليهم- بنوا الحضارة الإسلامية في أزهى صورها في زمن قصير حتى أفاد من حضارتهم المجيدة الأمم الأخرى في الشرق والغرب، وشهد القاصي والداني بعظمة تلك الحضارة في ذلك الزمن القصير بعد ظهور الإسلام وانتشاره، وبقوة أولئك الأفذاذ المؤمنين بالله ورسوله، وسخروا إمكاناتهم العقلية والجسدية والزمنية لخدمة دينهم الذي ارتضاه الله لهم، فكانت أوقاتهم محسوبة منظمة، فلم يضيعوا فرصة، ولم يهدروا طاقة إلا فيما يبني أمتهم ويعلي مكانتهم بين الأمم والشعوب .
ولذا فالأمة التي لا تحسن الإفادة من الوقت لا تكون في مركز الصدارة والقيادة، وإنَّ مما يؤسف له أن غير المسلمين-في الوقت الحاضر- أشد حرصًا على الانتفاع بالوقت في العمل والبناء والجد والانضباط، أما المسلمون فهم أزهد الناس في الإفادة من أوقاتهم، فكثيرًا ما يمضونها في العبث والقيل والقال، وهم مسؤولون عن تضيع أوقاتهم ومغبونون بها، والناس عموما يعرفون قيمة الوقت، ولكن كثيرين لا يعرفون كيف يستغلونه، وذلك مصداق قول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:الصحة والفراغ" (رواه البخاري) (18) ، يقول ابن بطال-رحمه الله-معلقًا على الحديث: (كثيرٌ من الناس) "أي أن الذي يوفق لذلك قليل" (19) . وجاء عن عمر بن الخطاب قوله:"إني لأكره أحدَكُم سُبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخره"ومعنى سبهللًا: أي فارغًا.
يقول الوزير ابن هبيرة:
الوقتُ أنفسُ ما عنيت بحفظه *** وأراهُ أسهل ما عليك يضيعُ
مع ملاحظة أن الوقت إذا لم يشغل بالخير شُغِلَ بالباطل، وكما يقال: إن الشيطان يسكن حيث يجد المكان فارغًا.
8ـ التخطيط للمستقبل:
من الأمور المهمة التي ينبغي أن نتوقف عندها في انقضاء الأعوام، مسألة التخطيط للمستقبل، كيف نخطط لمستقبل الأمة الإسلامية مستلهمين الأعوام الماضية، مستشرفين الأعوام القادمة، مقدرين حاجات الأمة وعجزها، ومحاولة سد هذه الثغرات في المستقبل؟ والجواب على ذلك يكمن في وضع الخطط العملية الإيجابية الممكن تحقيقها على مراحل وخطوات؛ فالتخطيط للمستقبل يقوم على الإفادة من أحداث الماضي-قربت أم بعدت- حتى يتكامل البناء الحضاري للأمة الإسلامية، وترجع قيمتها بين الأمم، وهناك دراسات تُعنى بالمستقبل برع فيها الغرب، فما أحرانا -نحن المسلمين- أن نعد العدة لمستقبل الأيام والسنين ونخطط لها ونبتعد عن الأعمال العشوائية والارتجالية في حياتنا.
(*) عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[1] صور وخواطر للشيخ علي الطنطاوي ص5.
[2] شرح السنة للبغوي (14/225(.
[3] حلية الأولياء للأصبهاني (2/148(
[4] انظر: صور وخواطر، ص6.
[5] انظر: تاريخ عمر بن الخطاب t لابن الجوزي ، ص151 .
[6] رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، رقم الحديث 747 .
[7] للإفادة: يراجع كتاب لطائف المعارف لابن رجب، فهو مفيد في الموضوع .
[8] تلقوا ربكم: أي حتى تموتوا .
[9] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (13/19-20(.
[10] المرجع السابق (13/21(.
[11] المرجع السابق
[12] رواه البخاري، 3-كتاب العلم ح (100) ، ومسلم،47-كتاب العلم، ح (2673) .
[13] لطائف المعارف، ص32.
[14] ح (6416) .
[15] ح (2333) .
[16] لطائف المعارف، ص18 .
[17] ( سورة الشعراء )
[18] ح (6412)
[19] فتح الباري (11/230)
المصدر: الإسلام اليوم
الرحلات . . . وسيلة دعوية . . فكيف نستفيد منها !
الرحلات شيء محبب للنفوس ، ففي الرحلات أُنسٌ بالصديق ، وتفريج للضيق ، وكسب للمهارات والخبرات ، وفوز بالسبق إلى الخيرات .
والرحلات كأسلوب من أساليب الدعوة وسيلة ناجحة ، فهي طريق للقلب المعنّى ليبث فيها الراحل أشجانه وهمومه ويفتح فيها قلبه ومكتوم أسراره ، فجدير بالمربين المخلصين أن لا يفوّتوا مثل هذه السانحة ، لذلك يجدر أن نذكر ببعض المهام والأمور التي تخدم هذه الوسيلة الدعوية الناجحة فنكون أقرب للاستفادة منها .
@ أهمية الرحلات .
السفر والترحال يكسب الإنسان تجربة وخبرة .
فالرحلات ( القصيرة والطويلة ) من أهم وسائل الترفيه عن النفس ، والإعداد الذهني والجسمي للطلاب ( المتربين ) ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب إدخال السرور على صحابته ، وعلى الشباب والفتيان منهم بالممازحة والترويح وغير ذلك مما كان متاحًا لهم في وقتهم .
ومن قبل قال الإمام الشافعي رحمه الله:
تغرّب عن الأوطان في طلب العلى:::::: وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ واكتساب معيشة:::::: وعلم وآداب وصحبة ماجد !
فمن فوائدها:
-توسيع المدارك عند الطلاب ( المتربين ) .
-الترفيه المباح ( كبديل فعّال للبرامج الترفيهية المباحة ) .
-تعويد المشتركين على مبادئ هامة ، وتحقيق معاني قد لا تتحقق إلا بالأسفار والترحال من مثل: ( معاني الأخوة ، والإيثار ، والانضباط ، والترتيب ، والسمع والطاعة ..)
-فيها تلبية لرغبات فطرية في الإنسان من حب المخالطة والمرح والترفيه .
-سهولة إيصال الأفكار وترسيخها في أذهان المشتركين ، إذ أن التربية والتوجيه مع الحدث من أشد ما يساعد على رسوخ المبادئ والمفاهيم .
-"..ثبت من خلال التجارب العديدة أن طلاب الحلقات يرتفع مستوى أدائهم وعطائهم بعد الرحلات والنشاطات بشكل ملحوظ ؛ ويلتهب الحماس لديهم لتقديم أفضل ما عندهم ، من الحفظ والأخلاق في التعامل ."
-وإن النشاطات والرحلات الهادفة تفتح آفاق أذهانهم على الأفكار الابتكارية والإبداعية في الإسهام في إعداد برامج الرحلة والترفيه ، وتقديم ما ينفع إخوانهم في تلك المناسبات""
إلى غير ذلك من الفوائد النفسية والتربوية الدعوية والعبادية التي يخرج بها المشارك في رحلة هادفة .
@ توجيهات هامة .