نحو استثمار أفضل لفائض الوقت
د. مصطفى السيد
يسعى المسلم يوميًا مع الملايين من إخوانه في مناكب الأرض إعمارًا لها، وإعمالًا لمواهبه، إنتاجًا وإبداعًا، وبعضهم يضرب في طلب الرزق أجواء الفضاء، وآخرون يركبون متون البحار والأنهار يعملون وكلهم يشتهون غدًا أفضل، ومستقبلًا أجمل لأمتهم وأوطانهم.
والأمة التي تجعل العمل من مقومات وجودها، وهدفًا أساسًا لها في الحياة لن تحصد ـ بفضل الله ثم بعملها ـ إلا مجدًا باهرًا، وازدهارًا ساطعًا، وحُق لأمة تكون كذلك أن تكون لها سويعات ترفيه، وأوقات راحة تخلد فيها إلى الهدوء، أو تركن إلى صحبة تتعاطى معها نشاطًا ذهنيًا أو رياضيًا يتجدد من خلالها نشاطها، وتتنمى عبرها مواهب قد لا يتمكن العاملون من إشباعها أوقات الدوام.
هكذا تكون الحياة السوية سموًا عبر العطاء، ومثاقفة بناءة في ساعات الترويح والاسترخاء.
تعالوا أيها الأحبة نسائل أنفسنا: أين نحن من ذلك في حياتنا بشطريها: العامل، والمستريح؟
لا أنكر ابتداءًا أنه يوجد بيننا من حولوا ساعات العمل بفضل الله ثم بفضل ما طبعوا عليه من تربية؛ حولوها إلى زيادة في رصيد حسناتهم، وإلى نتاجات فكرية أو مادية استفاد منها البلاد والعباد.
كما يوجد من بيننا من حوّل ساعات الترفيه والاسترخاء إلى وجه آخر من وجوه الحضور للمسلم المنتمي إلى عصره ومجتمعه انتماء مشاركة، وتعاون على البر والتقوى، وتفكر وتدبر في كل دقيقة، وكيف تملأ بما يكفل عائدًا مجزيًا ومردودًا مريحًا؛ وذلك عندما يوفق في قضاء ساعات راحته مع فئة من الناس تتبسط بغير استهتار، وتتحادث بغير إسفاف، لا تخلع العذار في مزاحها، ولا تسقط الحياء في لهوها، تتهادى الكلمة الطيبة، وتتبادل الأفكار التي تفتح للأمل أبوابًا، وتوصد من اليأس مثلها، يحضرهم سمر النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كان سمرًا في مصالح المسلمين، وقول عمر ـ رضي الله عنه ـ:"إنه لم يعد له من أرب في العيش لولا محادثة أهل الفضل والمروءة".
إن مثل هذه النماذج المباركة جعلت من لقاءات الترفيه والسمر مدارس تبث الكلمة النافعة، وتضخ الخبرة الناضجة لجُلاّسها؛ لأنها:
-لم تفهم الترفيه تحررًا من المسؤولية، وتحللًا من الفضيلة مرددة مقولة جاهلية ومأثورة شيطانية:"ساعة لك وساعة لربك"، أو:"دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".
-لم تفهم الترفيه هروبًا إلى رفقة سوءٍ رأت في الحياة عبءًا، والعمر همًا جاثمًا على الصدر، فتفننت في التخلص منهما، والتحلل من مستلزماتهما.
-لم تفهم الترفيه هروبًا إلى العكوف بين يدي متحدث عليم اللسان، فارغ الجنان، اختزل الحياة بساقط النكات والقهقهة العابثة التي رأت في سخف القول والعمل سقفًا للعيش، ومضمارًا للهو والطيش.
-لم تفهم الترفيه هروبًا من الأسرة وحقها في أوقات تأخذ من الأب تجربته، كما يلقي الأب السمع إلى أفكار ورؤى أبنائه وبناته، لا يتركهم تحتبس الكلمات في صدورهم، والأسئلة في عقولهم، يغيب عنهم وعن زوجته ليحل محله يأس طاغ، أو رفيق سوء باغ، أو جلوس إلى قنوات فضائية تتسمر أعينهم في صورها، يلتهمون سمها الزعاف وفكرها القاتل.
-لم تفهم الترفيه استقالة من معالي الأمور، وانتحارًا بطيئًا غير مباشر من تبعات الحياة، حتى صار هؤلاء القوم يقدمون الاستراحة على البيت، وروادها على الأسرة، والحياة الهاربة من كل التزام جاد على الحضور الذي تتحقق به ومعه أهداف الحياة، حتى إن بعضهم ليحسب أنما خلق عبثًا للعيش بلا دور سوى حضور باهت على هامش الحياة معطلًا فيه عقله، معلقًا رجولته بخيوط العجز واللامبالاة، مؤكدًا حضوره بتثاؤب مكدود، عيناه باتتا موانئ للذباب، وروحه ملاعب لجيوش اليأس والإحباط.
-لم تفهم الترفيه سخرية لاذعة من الإصلاح والمصلحين، والجد والجادين، بل رأت في الترفيه والسمر فرصًا لرفعه إلى مستويات الجد من خلال دعاء لحاكم ومحكوم بالتوفيق والنجاح، أو من خلال جمع بعض المال تفك به أزمة مأزوم، أو بالتداول في طرائق النصح لمنحرف ضل الطريق، وهكذا كانت أوقات الترفيه استمرارًا لأوقات الجد واستكمالًا لساعات العمل.
إذا كان الناس يتداعون لشهود صلاة الجنازة على ميت مات فما العمل إزاء شريحة كبيرة من أفراد الأمة باتوا أحياءًا أمواتًا، وأصبحوا حاضرين غائبين، همشوا أنفسهم، أو همشتهم ثقافة الإقصاء التي تجرعوها، توارثوها من أسر لا تمسك علمًا، ولا تنبت قيمًا.
شريحة تعيش في الحضيض، وإخوانهم من شياطين الجن والإنس يمدونهم بالغي ثم لا يقصرون، يوهمونهم أنهم يحسنون صنعًا، وأنهم في قلب الحياة، والحق أنهم لم يدخلوها إلا بشهواتهم، ولم يحضروا إلا في أطرافها النائية.
هل هؤلاء الذين ارتضوا من الغنيمة بالإياب، ومن الحياة بالفتات؟
هل هؤلاء ضحايا أم خاطئون؟ برءاء أم مسؤولون؟
هل هم نتاج الثقافة الزائفة؟
هل هم دلائل ساطعة على إخفاقنا، وإخفاق المؤسسات العامة والخاصة في استيعابهم؟
وهل حسبُنا أن نطرح السؤال فقط؟ أو أن نشخص الأوجاع فحسب؟
إن ذلك فهم، ولكن الأهم أن ننتفض انتفاضة نفسية وعقلية لمواجهة النزف والهدر في هذه الشرائح، وأطْرها على الحق من خلال كل الوسائل المتاحة والمباحة؛ لأن الأمة لن تقدر على نهضة جادة وفي خواصرها جروح نازفة يأسًا، راعفة إحباطًا، هاذرة في الملمات، هائمة في وقت الحاجة الماسة إلى التركيز.
مجلة البيان، العدد (146) ، شوال 1420،فبراير 2000 .
هل حان الوقت لرسم رؤية تربوية؟
محمد بن عبد الله الدويش
يعد المجال التربوي من أنجح مجالات العمل الدعوي المعاصر، وقد حقق العمل الإسلامي منجزات مهمة في الميدان التربوي، واستطاع أن يُخرِج جيلًا متميزًا من الشباب والفتيات، تَمثَّلَ التدينَ في نفسه، وانطلق في الميدان العملي الدعوي.
ومهما كان من خلل في هذا الجهد التربوي فلا زال يستحق الإشادة والثناء.
لكن هل نقف من حيث بدأنا؟
إن ظروف النشأة والتكوين التي صاحبت العمل الإسلامي، والمشكلات التي واجهها، والإمكانات التي يملكها ربما تقودنا إلى قبول نتاج العقود الماضية، ولكن!
لا زال العمل التربوي الدعوي يفتقر إلى رؤية واضحة شاملة؛ فمفهوم التربية عائم غير محدد، أو يدور في إعطاء الأفراد قدرًا من المحتوى العلمي والسلوكي. والممارسات التربوية إما تنطلق من السجية والعفوية، أو وفق ما نسميه (تخطيطًا) وهو لا يعدو رسم خارطة سنوية أو فصلية لمحتوى البرامج التربوية.
إن انعدام الرؤية في العمل التربوي يقود إلى كثير من المشكلات التربوية، منها:
3 أنه يفتح مجالًا واسعًا للتباين والرؤى المختلفة والمتفاوتة؛ والخلاف واتساع التجارب وتنوعها لا اعتراض عليه حين يكون صادرًا عن منهجية واقتناع، أما حين يكون صادرًا عن غياب للرؤية وتخبط فلا.