إن كثيرًا من الفروض العامة غائبة لغياب المؤهلين الذين يقومون بها مما أقعد الأمة عن ممارسة دورها الحضاري، وهذا لا يُعفي العاجزين عن أدائها، بل يُلزمهم أمرًا آخر وهو تهيئة القادرين عليها ودفعهم لإتقانها (3) ؛ فإن الأفراد قد جُبِلتْ فيهم خَلْقًا مختلفُ القدرات والإمكانات الذاتية التي يُسِّروا لها (فكل ميسر لما خلق له) فإما أن تموت فيهم، وإما أن تحيا فيهم فيكون لها دورها في حياتهم وفي حياة أمتهم؛ فلذلك لا بد من العناية بالتنشئة السليمة لناشئة الإسلام التي تُخرج فيهم كوامن القدرات والطاقات، وتسعى إلى بنائها وتطويرها، وتدفع بكل واحد إلى ما هيئ له بوفور القدرة عليه ليحوز العلوم والآداب التي تناسب ما هو ناهض به، وإن تأهل لغيره أُعِينَ عليه.
إن الدعوة الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى كثير من القدرات والمؤهلات والبناء الداخلي المؤسس، مما يؤدي إلى ثغرات وعوامل ضعف فيها في المرحلة الراهنة، وتلك القدرات هي أهم ما تفتقر إليه القيادات الدعوية الرشيدة التي تملك قدرة التأثير وزمام المبادرة في القيادة والإصلاح والتربية. ومما يؤخذ على الجماعات الإسلامية المعاصرة عندما تخوض المعترك السياسي أو المعترك العسكري أنها تضعف أو تشل قدرتها في التربية والإصلاح، وتتناقص عضويتها الصفوية، وتتحول إلى تيارات شعبية عامة، مما ينحرف بمسارها وتتحول أهدافها وتفقد هويتها.
وأخيرًا:
هل يعي دعاة الحق ويتفهمون تحديات الواقع وينهضون قيامًا بالواجب وإصلاحًا في الأرض؟ إن القيادات والدعاة الربانيين هم أدلاَّء الخير وقادة الإصلاح، تعلو بهم راية الحق وتبطل بهم رايات الباطل، والأرض الإسلامية عمومًا خصبة تنبت ما يزرع فيها نبتًا صالحًا، وقد توارت كثير من رايات الباطل إما زوالًا وإما كيدًا خفيًا من وراء الشعارات الإسلامية. وإن كانت الأرض مهيأة لقبول ما يزرع فيها فثمة تحدٍّ يتمثل في فقدان دعاة الحق؛ وهي حال قد تدفع بالتيار العام للانحراف وراء دعوات خبيثة أو إمامات ضعيفة ناقصة تؤدي إلى فتنة داخلية؛ فإن ما يلحظ أن كثيرًا من التيارات المتغربة التي تلبس لبوس الإسلام وأخرى باطنية خبيثة لها مبادراتها وطروحاتها وأفكارها تعالج بها كثيرًا من قضايا الواقع وتنتج كمًّا هائلًا من الفكر مما يلقي بثقله على أصحاب الحق من الواجبات العظيمة التي تنوء دونها الجبال.
إن تعقُّد الواقع وامتداداته الداخلية والخارجية تستوجب من أهل الدعوة أن يكونوا في مستوى المطالب والمقاصد فهمًا وهمة وإصلاحًا وعملًا وتضحية وتخطيطًا وتنظيمًا للجهود والطاقات؛ فإن إصلاح الأمة إنما يتم بجهاد وحركة علمية ناضجة ونشطة تجدد ما اندرس من معالم النبوة وآثارها، وتبعث مناهج السلف وأصولهم وهديهم علمًا وعملًا وممارسة وسلوكًا. ومن الله وحده العون وعليه التكلان.
(1) يراجع الفتاوي، 14/ 147.
(2) يراجع الفتاوي، 15/159، والموافقات 2/62.
(3) الموافقات، 1/121.
البعد الزمني الغائب
المحتويات
توطئة
مظاهر لغياب البعد الزمني في تفكيرنا
في حياتنا الاجتماعية
وفي مشاريعنا الشخصية
في علاج المشكلات
في المشروعات الإصلاحية
العوامل التي أدت إلى غياب البعد الزمني
العامل الأول: العجلة من طبيعة الإنسان
العامل الثاني: ضغط الواقع
العامل الثالث: التربية
لما ذا نحتاج إلى البعد الزمني؟
نصوص القرآن الكريم
نصوص السيرة النبوية
سير الأنبياء
هكذا سنة الله في المجتمعات
البعد الزمني يتيح لنا التعامل مع متغيرات عدة
الواقع المعاصر لم يكن وليد لحظة
آثار غياب البعد الزمني
أولًا: الابتعاد عن الأعمال المنتجة العميقة الأثر
ثانيًا: غياب الرؤية البعيدة والنظر العميق للواقع
ثالثًا:غياب الأولويات
رابعًا: الاتجاه لأعمال غير منتجة
خامسًا: التسرع في التقييم
توطئة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله, أما بعد:
في صحراء مكة, التي كانت تلفح بالحر الشديد، كان هناك شابٌ لا يزال دون العشرين من عمره, آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستجاب لها، وحينها لاقى ما لاقاه إخوانه من التعذيب والأذى الذي بلغ حدًا لا يطاق, فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكيًا له من سيِّده الذي كان يتفنن في تعذيبه وإيذائه, يروي لنا القصة صاحبها رضي الله عنه وهو خبّاب بن الأرت, حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة, فقال له: ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ قال: فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو محمرّ وجهه ثم قال:"لقد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه, ما يصده ذلك عن دينه, والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" ( أخرجه البخاري رقم(6943 ) ) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يخاطب هذا الشاب الذي ربما كان الاستعجال لديه شعورًا نفسيًا، فهو لم يكن طائشًا أو متهورًا رضي الله عنه, وإنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يدعو ربه أن ينصرهم ويكشف عنهم الضر، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لمس من نفس خبّاب رضي الله عنه استبطاء النصر, ولمس منه قدرًا من الاستعجال، فوجه له هذا الخطاب, ولو عرفنا ما لقيه خبّاب لشعرنا أنه معذور في هذا الموقف, فإنه حين أسلم كان قيِّنًا للعاص بن وائل, وكان العاص جبارًا متسلطًا, فكان يعذبه أشد العذاب, حتى إن كتب السيرة تروي لنا أنه كان يشعل الجمر فيرميه على ظهره حتى لا يطفئ الجمر إلا ودك ظهره رضي الله عنه, وكان لا يزال شابا يانعًا (رواه أبو نعيم في الحلية"1/143-144"، وابن سعد في الطبقات"3/165") .
دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فقال له عمر:"اجلس فما أحق بهذا المجلس منك إلا عمار", وذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأخر إسلامه فكان يعتقد أن ما لقيه خبّاب أقل مما لقيه عمار رضي الله عنهم جميعا, فكشف له خبّاب رضي الله عنه ظهره فأراه آثار التعذيب التي لا زالت باقيةً على جسده إلى وقت خلافة عمر رضي الله عنه (رواه ابن ماجه"153") .
وحين مرَّ عليٌّ رضي الله عنه بقبر خبّاب، بكى وقال: رحم الله خبابًا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا وابتليَ في جسمه أحوالًا ولن يضيع الله أجره (الإصابة"1/416") .
إن من يتأمل ذلك الموقف الذي كان يعيشه خبّاب بن الأرت رضي الله عنه يدرك أن هناك ثمة مبرر حين يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه أن يسأل الله النصر وهذا الأمر ليس فيه- فيما يبدو لنا - استعجال, لكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بنفس صاحبه أراد أن يربي عنده هذا المعنى.
إننا حين نريد الحديث عن الاستعجال فإنه قد يطول بنا الحديث، لكننا سنتناول جانبًا من جوانب الاستعجال, ألا وهو غياب البعد الزمني.
وغياب البعد الزمني مشكلة في التفكير قبل أن تكون في المواقف والعمل؛ فالمواقف والعمل نتيجة لقرار وتصور يرسمه الإنسان.