استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل مجتمعًا كاملًا من جاهلية وشر وفرقة وشتات ودماء وتارات إلى مجتمع رشيد بقيم الحق معافيً يمثل قدوة في العالمين في فترة لا تتعدى ثلاثًا وعشرين سنة، وقد بدأ العد التصاعدي للدعوة النبوية ببزوغها والإيذان بها، وبدأ العد التنازلي لدعوة الكفر التي غدت تفقد كل يوم أرضًا وضَيْعةً من ضيعاتها، بينما كانت الجاهلية تسعى جاهدة لتطويق الدعوة وإماتتها في مهدها بشتى السبل والطرق؛ لمعرفتها ما يترتب من تحولات قادمة تحسب لها الحسابات عبر رصدها لتحركات النبي صلى الله عليه وسلم وجماعته، ولكنها أخفقت وخاب مسعاها؛ لأن الدعوة منصورة بالله، ثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالأسباب الواجبة المقتضية لتحقيق تمكينها في الأرض.
ولأهل الباطل عداوات شديدة ورصد كبير لأهل الحق ودعاته، ولا يفتؤون يبذلون ما في وسعهم لضرب الدعوة وأهلها؛ مما يوجب عليهم ذلك نظرًا بصيرًا وتحركًا محكمًا ينطلق من تقييم صحيح وسليم، وتعرُّف على مآلات الخير والشر ودرجات كل منهما، وكما يقال:"ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيْرين وشر الشرَّيْن"كما يوجب عليهم الإفادة من الزمن لتحقيق المفاجأة وتغيير موازين القوى؛ فإن عامل المفاجأة وتغيير الموازين في الصراع يستند إلى قدرة الجماعة على بذل طاقاتها مع اختزال للجهد والزمن بأقصى ما يمكن لتحقيق التفوق على الخصم؛ فإن صراع الجماعات والأمم صراع على أرضية الزمن، وكيفية كسبه وتحقيق أعظم إنجاز بأقل جهد وزمن، وهذا ما نلاحظه في دعوة النبوة: عظمة الإنجاز مع قلة الزمن.
وأمام أهل الحق جبهات ثلاث مفتوحة علميًا وعسكريًا وسياسيًا من قِبَل التيارات الآتية:
1 -التيارات الكفرية والشركية.
2 -تيارات النفاق من العلمانيين والشيوعيين وغيرهم الذين يتلوَّنون بكل لون، ويدفعون كل راية حسب مقتضى الحال، ويكشفون عورات المسلمين.
3 -الفِرَق والجماعات الضالة الحديثة والقديمة في أصولها.
وتستخدم هذه التيارات هيئات متخصصة لدراسة ورصد القوى الإسلامية، وتعد خططًا ومناهج فكرية وسياسية وعسكرية لضربها وقطع الطريق أمام العودة الإسلامية الرشيدة للأمة؛ ومما تستخدمه من وسائل محاربة:
1-إفراغ محتوى دعوات الإصلاح بتحوير مناهجها ومقاصدها عبر الإسقاطات الفكرية المختصة.
2-التشويش الفكري والعقدي، والتشكيك في عقائد الإسلام ومنهجه.
3-إدخال الجماعات الإسلامية في معارك استنزافية فكرية وسياسية وعسكرية.
4-بث وتوسيع الخلافات الداخلية والاستفادة من وضعية التشرذم الداخلي.
5-إيجاد الشرعية لضربها وإنهائها، والتحرش بها عبر وصمها بالألقاب الآتية: الأصولية، الإرهاب، المتاجرين بالدين، أصحاب العاهات العقلية والنفسية.
6 -إضعاف السند والالتفاف الشعبي حول الدعوة - أو استخدام سياسة الاستفراد بالجماعات باستثمار أخطائها.
وفي مقابل هذه العداوات المرصودة وبكل شراسة ضد جماعات الدعوة الإسلامية نجد تشرذم البيت الإسلامي وانشغاله بقضايا بيئية، بينما الواقع المعاش لأمة الإسلام يلقي بأحمال وتبعات ثقيلة على دعاة الحق، وإنه لينوء بها من ينوء إلا ذوي العزائم وكبار النفوس المتوكلين على ربهم.
المطلوب:
1 -مرجعية علمية وعملية واحدة، أو معالجة أحوال النخبة:
من الاهتمامات الكبرى الضرورية في الدعوة المعاصرة تشكيل المرجعية العلمية والعملية الواحدة بمعالجة أحوال النخبة من علماء وطلبة علم ليمثلوا حالة الوحدة في المرجعية العلمية وضبط منهجية العمل الدعوي ومقاربتها في إصلاح الواقع في تصوره ومطالبه، وفقه التعامل والإنزال فيه، ومعالجته معالجة منهجية بعيدًا عن الفوضى والارتجال العلمي والعملي التي يعاني منها الواقع الإسلامي المعاصر الذي أدى إلى ظهور تيارات مغالية أو مجافية، وبدون أفكار نشاز زادت من أزمة البيت الإسلامي؛ حيث انطلقت من رد فعل أزمة الواقع واتساع مطالبه وفقدان المرجعية الموجهة والضابطة علمًا وعملًا. إن توحيد أو مقاربة المرجعية العلمية القائدة هي نقطة أولى لرأب الصدع وتوحيد الجهود.
2 -مراجعات منهجية في العلم والعمل:
مما يؤدي إلى سلامة مسلك الدعوة في أقوالها وأفعالها تحريرُ منهاجها على قواعد وضوابط وأصول أهل السنة والجماعة: العلمية والعملية، ثم يتبع ذلك مراجعات منهجية في جانب العلم والتصور والفهم؛ لئلا يحيد عن الوسط ويصاب بعاديات البدع والانحراف؛ فإن الأصول ربما تكون سليمة ولكن تعتري العلة بعض الجوانب أو بعض المسائل التي توجب فتنة للاختلاف والشقاق فيها، وقد تكون تلك من الآثار التي عبر عنها ابن تيمية - رحمه الله تعالى - نتيجة المعصية، وهي: خفاء الحق عند أقوام أو أحوال ومواطن فيضيِّقوا ما وسَّع الشارع، أو يتوسطوا فيما ضيَّق فيه من الحرام، ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن (1) .
فلا بد إذًا من تنقية المنهج العلمي وتصحيح المسلك العملي ومراجعته ليكون على مشروعية صحيحة، كما أنه يجب أن نستوعب قواعد السياسة الشرعية وأصولها في النظر إلى الوضع القائم وتقييمه، وفي ضبط مسلك الدعوة في الواقع المحيط بمختلف مكوناته العضوية والعلمية والفكرية دورًا وموقفًا نتوخى في ذلك كله جلب كل صلاح مستطاع ودرء كل فساد مقدور عليه، ولنؤمِّن طريق الدعوة من المعارك الاستنزافية التي يكيد بها الخصماء، والتي تفقد فيها كثيرًا من القدرات والطاقات، وتهدم فيها المكتسبات.
3 -تجديد خطاب الدعوة المعاصرة وإصلاحه:
الذي يتابع خطاب النبوة في عصر الدعوة الأول يرى تنوعه وتطوره بحسب المراحل التي تمر بها الجماعة والمطالب التي تقتضيها المرحلة؛ فالخطاب في مكة غير الخطاب الموجه في المدينة، والخطاب في المدينة ممتد عن الخطاب الموجه في مكة تفصيلًا وتوضيحًا وإضافة (2) .
والواقع المعاصر أشد حاجة إلى هذا التنوع والمرحلية في الخطاب لتلبية حاجات المرحلة ومطالب الواقع في الأعيان والأحداث والأحوال تنوعًا ينتظم تحت دائرة كلية واحدة يقتضي بعضها بعضًا وتتضافر فيها المفاهيم في مسلك واحد ولتحقيق غاية واحدة وهي تحقيق العبودية لله. إن تجديد أساليب الخطاب المعاصرة وإصلاحها لتعالج قضايا الأمة وفق منظور شرعي واستراتيجية عملية ناضجة ضرورة لتحقيق التغيير الإسلامي المنشود، وإن أشد ما يعاني منه الواقع الدعوي المعاصر ذلك الخطاب الذي يعرض صورة منحرفة أو جزئية ناقصة أو سطحية تنطلق من رأي هذا أو ذاك، أو فهم هذا أو ذاك مقدمًا على الحق كما أن الخطاب الذي اقتصر على مرحلة أو جزئية معينة وثباته حولها عامل من عوامل الشلل الدعوي، وهو ما يفسر موت كثير من الأنشطة الدعوية المعاصرة وتجاوز الزمن لها.
4 -بناء الكفاءات والقدرات:
إن مراعاة البعد الزمني للدعوة تتطلب الإعداد الضروري الذي يؤهل للوصول إلى المستقبل المُستَشْرَف، وكل مرحلة وطور لها متطلباتها ووسائلها التي ينبغي الإعداد لها، وكل مرحلة تؤدي إلى الأخرى في تتابع وانتظام ثابت؛ فالذي يجب أن يرافق الاستشراف المستقبلي إعداد وتطوير الوسائل والإمكانات والقدرات التي تشكل ذلك المستقبل المتطور وتصوغه.