بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين.
وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا، أمَّا بعدُ:
أخي المسلم:
إنّ الإجازة جزء من عمرك وحياتك ترصد فيها الأعمال وتسجل الأقوال، وأعلم أنك موقوف للحساب بين يدي ذي العزة والجلال، فإنّ الدنيا دار اختبار وبلاء، قال صلى الله عليه وسلم:"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلا،ه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه".
واستشعار ذلك - عباد الله - يجعل للحياة قيمة أعلى ومعان أسمى من أن يحصر المرء همه في دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو منصب يطلبه، أو رفاهية ينشدها، أو مال يجمعه، حتى إذا انتهى راح يطلب المغريات الكاذبة.
كلّا، ليس الأمر كذلك، فالله عزّ وجل يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) . [سورة الذاريات، الآية: 56] . ويقول سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) . [سورة المؤمنون، الآية: 115] .
عباد الله:
إنّ من الأمور التي تساهم وتساعد على استثمار الإجازة:
• العناية بالقران الكريم، والاشتغال به حفظًا وتلاوةً، وتعلمًا وتعليمًا، قال صلى الله عليه وسلم:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
فيا أخي المسلم، إذا أخذت قسطك من النوم والراحة، وتنعمت بأنواع الطعام، وحقّقت شيئًا من السعادة، فلا تنس غذاء قلبك بقراءة القرآن، طلبًا للحسنى وزيادة، لا تبخل على كتاب الله بساعة من أربع وعشرين ساعة.
• ومن الأمور المهمّة: السفر إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة، وزيارة مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائة ألف صلاة فيما سواه". [رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني] .
• وكذلك السفر في بر الوالدين وصلة الأرحام، وزيارة العلماء والصالحين في الله تعالى، وعيادة المرضى، وإجابة دعوات الأفراح والمناسبات التي ليس فيها منكرات، قال صلى الله عليه وسلم:"من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم".
• وكذلك السفر لأجل الدعوة إلى الله على علمٍ وهدىً وبصيرة قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) . [سورة فصلت، الآية: 33] . وقال صلى الله عليه وسلم:"فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم".
• ومن الأمور المعينة على استغلال الإجازة وشغل الفراغ، وهذا نوصي به الناس عامة، والشباب خاصة، وهو: طلب العلم وتحصيله، والسفر لأجله، قال صلى الله عليه وسلم:"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة". [رواه مسلم] .
ولقد كان السلف يرحلون في طلب العلم والمعرفة، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه، يقول:"لو أعلم مكان أحد أعلم مني بكتاب الله تناله المطايا لأتيته". وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه:"رحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". أ. هـ.
وقال الشعبي رحمه الله:"لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في سبيل كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعًا". أ. هـ.
ويحمد لهذه البلاد المباركة المعطاءة ما وفّرته من محاضن تربوية وبرامج نافعة للشباب المسلم من حلق ومدارس لتحفيظ القران الكريم.
وها هي المراكز والنوادي الصيفية تأتي لتحفظ فلذات الأكباد من الضياع، ولتملأ الفراغ، وتحرك الطاقات، وتستثمر القدرات... إلخ.
فهي فرصة لإلحاق البناء والشباب بها.
• ومن البدائل المتاحة والمتيسرة بحمد لله: السياحة النقية، والنزهة البريئة إلى ربوع البلاد الإسلامية المحافظة التي تنعي أبناءها الذين هجروها، ويمكن للمسلم أن يجمع بين الراحة والعبادة، فيزور مكة ويذهب للطائف، ومن ثم إلى جدة.
أيها المسلمون:
ختامًا نريدها إجازة في طاعة الله، ليس فيها امرأة تتبرج، أو شهوة تتهيج، أو نزعة إلى الشر تتأجج.
نريدها إجازة على ما يرضي الله، لا على ما يسخطه، إجازة تبني الجسم، وتغذي العقل، وتروّح عن النفس.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
اللهم اصلح الراعي والرعية والأمة الإسلامية.
اللهم آمنا في الأوطان والدور، واصلح الأئمة وولاة الأمور، واعصمنا من الفتن والشرور، وانصر عبادك المجاهدين في الثغور، يا عزيز يا غفور.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المجاهدين الموحدين.
كي لا نسقط في الهاوية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فقد أخفق العلمانيون في محاولتهم إقناع الأمة بأفكارهم، واستمروا على اختلاف اتجاهاتهم شراذم قليلة معزولة لا تمت إلى عامة الأمة بِصِلَةٍ، وبعد فترة طويلة اتجهوا إلى تطوير استراتيجيتهم؛ فمن محاولة التأثير على الأفكار إلى محاولة تغيير السلوك والأخلاق وتفكيك الأسرة وإفساد المجتمع وطمس هويته من داخله، والقيام بتفريغ عقول الأمة من قيمها وإغراقها بالشهوات من دون ضابط شرعي أو حاجز أخلاقي.
والمتأمل في واقع الأمة اليوم يلمس نجاحًا كبيرًا تحقق للقوم في هذا الاتجاه، وكان المدخل الكبير والباب العريض الذي ولجوا منه إلى ذلك هو التأثير على المرأة دفاعًا عن حريتها وإرجاعًا لحقوقها المهدرة ـ فيما زعموا ـ.
ويعود هذا النجاح إلى أسباب عديدة يمكن إجمالها في جوانب ثلاثة:
الأول: أسباب تعود إلى المرأة والمجتمع، وأهمها:
-الجهل المفرط في أوساط كثير من النساء بقيم الإسلام وأحكامه ومقاصده، وقد زاد من خطورة هذا الأمر عمليات التشويه التي يمارسها العلمانيون تجاه التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة عن طريق تناولها بشكل مجزأ يجعلها بعيدة عن التشريعات التي وردت في سياقها، مع إغفال متعمد لبيان مقاصد الإسلام من تشريعها؛ بهدف إظهار قصورها وتجاوز العصر لها ووقوفها حجر عثرة في طريق نيل المرأة لحريتها وحقوقها.
-ظاهرة ضعف الإيمان لدى كثير من النساء نتيجة عدم قيام المؤسسات التربوية في المجتمعات الإسلامية بالدور المنوط بها تجاه هذا الأمر، وتركها الحبل على الغارب لصواحب السوء وذوي الشهوات ليقوموا عبر الوسائل المختلفة بالسيطرة على عقل المرأة ومشاعرها ومن ثَمَّ تحديد اتجاهاتها وتوجيه ميولها حسب ما يشتهون.
-غفلة كثير من النساء عن حقيقة رسالتهن في الحياة، والدور المنوط بهن في بناء الأمة وصيانتها من عوامل الزيغ والانحراف.
-قيام بعض النساء المترفات بتبني دعوات العلمانيين وبروزهن واجهة لكثير من الأنشطة المقامة، وتوفيرهن للدعم المعنوي والمادي الذي تحتاجه بعض الأنشطة،إضافة إلى تغريرهن بقطاع عريض من النساء اللاتي جرت العادة بقيامهن بتقليد مترفات المجتمع وكبرياته لعظم جهلهن وضعف إيمانهن.