فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 788

قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ". [رواه البخاري] ."

هنا يبين الإسلام عن مراعاةٍ لحاجات الإنسان النفسية ومتطلباته الروحية.

الإسلام دين السماحة واليسر، فهو يساير فطرة الإنسان وحاجاته، فحين شاهد النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة يلعبون قال:"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنفية سمحة". [رواه أحمد] .

فبعض الناس لا يرى في الحياة إلا الجد المرهق، والعمل المتواصل، وآخرون يرونها فرصة للمتعة المطلقة والشهوة المتحررة، وتأتي النصوص الشرعية فيصلًا لا يشق له غبار، فيشعر بعدها هؤلاء وهؤلاء أنّ هذا الدين وسط، وأن التوازن في حياة المسلم، مطلب قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا...) . [سورة القصص، الآية: 77] .

يا عباد الله:

نعم، إنها الموازنة المطلوبة بين سائر الحقوق والواجبات، فها هو الإسلام يراعي الإنسان عقلًا له تفكيره، وجسمًا له مطالبه ونفسًا لها أشواقها.

قال ابن مسعود رضي الله عنه:"كأن النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا". [رواه البخاري ومسلم] وفي رواية:"كان يتخولنا أن نتحول من حالة إلى حالة".

لأن السآمة والملل يفضيان إلى النفور والضجر.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"إنّ القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم". ويقول أيضًا:"روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أُكره عمي".

ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه:"إني لاستجم قلبي باللهو المباح ليكون أقوى لي على الحق".

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا عليه وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال".

وهذا إمامهم وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول:"يا حنظلة، ساعة وساعة". [رواه مسلم] .

وربنا سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 32] .

وبعد قراءة أحوالهم واستقراء سيرهم يحدد لنا سلف الأمة ضوابط اللهو المباح والترويح، فهاهم يروّحون عن أنفسهم فلا يتجاوز أحدهم حدود الشرع المطهر، وذلك كله بعيدًا عن المحرمات أو المكروهات.

ولم يكن ترويحهم هدفًا لذاته، بل كان وسيلةً لتجديد الهمّة مع تصحيح النية لعمل أفضل وإنتاج أكمل، لذا لم يكن ترويحهم لمجرد تزجية الأوقات وتضييعها، وإمضاء الساعات دون مردود يقوي الجسم وينمي العقل.

كان الصحابة يروحون عن أنفسهم بالمرح والمِزاح والتسلية، ولا يقصّرون في شيءٍ من حق الله تعالى، وإذا جَدَّ الجِدُ كانوا هم الرجال، كما ثبت من فعلهم أنهم كانوا يتبادحون - أي يترامون - بالبطيخ فإذا جد الجد كانوا هم الرجال، وكما قال الأوزاعي عن بلال بن سعد:"أدركت أقوامًا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانًا". وهكذا كانوا، رضي الله عنهم، كما قال ابن تيمية رحمه الله:"فرسانًا بالنهار رهبانًا بالليل".

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"كان القوم يضحكون والإيمان في قلوبهم أرسى من الجبال".

لقد كان ترويحهم وضحكهم وسمرهم وسفرهم وترفيههم لا يضعف إيمانهم، ولا يفسد أخلاقهم، لا يتعدى وقتُ الترويح على أوقات الصلاة وذكر الله وصلة الرحم وقراءة القرآن، أولئك هم الرجال: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) . [سورة النور، الآية: 37] .

كانوا يروّحون عن أنفسهم بعيدًا عن سهر في ليل طويل، وسمر فارغ هزيل، يخل بحقوق كثيرة، ومنها حق الجسم، وحق الأهل، وفوق ذلك حق الله تبارك وتعالى.

إذا قرأنا سيرهم وتاريخهم نرى عدم الإفراط في استهلاك المباح لعلمهم بأن المهمة الكبرى للإنسان هي عبادة الله ولأن الوقت ثمين ومن منهج الإسلام عدم الإفراط في كل شيء حتى ولو كان في الصوم والصلاة والجهاد فكيف باللهو والترويح، كل ذلك حتى لا تُضَّيع الحقوق الأخرى وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة رضي الله عنه:"صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا". [رواه البخاري] .

الصيد - كما تعلمون - مباح في الأصل، وقد يُفرِط فيه البعض فيهدر أوقاته، ويهلك أيامه يتتبعه من مكان إلى مكان مطاردًا باحثًا ولاهثًا غافلًا، هنا نهى الإسلام عن هذا الإفراط حفاظًا على وقت المسلم الغالي ليكون في طاعة مديدة ومتوازنًا لأداء حقوق كثيرة فقال صلى الله عليه وسلم:"من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل". [رواه أحمد] .

هذا فيمن يفرّط في اللهو المباح، فكيف بمن يفرط ويصرف أوقاته الثمينة وساعات عمره في أنماط ترويحية محرمة ينتهك فيها محارم الله، ويتجاوز مناهيه؟!.

وكيف بمن يقدّم حضور حفل أو وليمة أو فرح أو مباراة على فريضة من فرائض الله.!.

وكيف بمن يلهو ويمزح، ويضحك ويمرح بالسخرية من أحكام الله، أو الاستهزاء بعباد الله، يتهكم بأعراضهم، ويسخر من أحوالهم؛ سهرٌ وعبثٌ ونومٌ عن صلاة الفجر أو الظهر والعصر، هكذا يقضي بعضهم الإجازة.

أليس هذا نكرانًا لنعم الله، وجريمة تنذر بالشؤم وتوجب سخط الإله؟!.

كان رسول الله يداعب أصحابه حتى تعجب الصحابة من مداعبته لهم وقالوا:"يا رسول الله إنك تداعبنا؟! قال: إني لا أقول إلا حقًا". [رواه الترمذي] .

عباد الله:

الإجازة نعمة، وقد تكون نقمة إذا لم تستثمر في ترويح مباح، ولهو بريء، وعمل مفيد يستغرق الصباح والمساء، فإن هذا الفراغ الرهيب يعدّ مشكلة تقلق كل أب لبيب.

وهل فساد الأبناء إلا من الفراغ؟!.

لقد هاج الفراغ عليه شغلًا ... وأسباب البلاء من الفراغ

فهو كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:"إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل".

فكم سهرة عابرة أسقطت فتى في أتون المسكرات والمخدرات؟!.

وكم من جلسةٍ عاصفة وقع البريء فيها في المهلكات؟!.

الفراغ جرثومة فساد تنتشر وتستفحل في مجتمعات الشباب، فتحطم الجسد، وتقتل الروح، الفراغ لص خابث، وقاطع عابث، وسارق خارب، أفسد أناسًا، ودمر قلوبًا، وسبب ضياعًا.

وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غفلة الكثير عما وُهبوا من نعمة الوقت والعافية، فقال:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ". [رواه البخاري من حديث ابن عباس] .

قال ابن بطّال:" (كثير من الناس ) أي: أن الذي يوفق لذلك قليل". أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت