ومن يرغب عن ملة إبراهيم فما هي ملة إبراهيم التي كان يدعوا إليها والتي من رغب وابتعد عنها وتركها من الأولين والآخرين كان سفيهًا بنص كتاب الله - تعالى - ما هي ملة إبراهيم؟
(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) .
إذًا رأينا أن نوحًا قال لقومه: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) .
وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام: (قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) .
ولقد حاول أعداء الله اليهود أن يغيروا في هذه الحقيقة ويجادلوا فادعوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة أن إبراهيم كان يهوديًا فواجههم القرآن الكريم بالحجة الناصعة والبيان الذي ما بعده بيان: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) .
فدين إبراهيم ودين الأنبياء ودعوتهم إنما هي الإسلام ولا شئ سواه ولذلك لما قام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بأعظم عمل عمله في حياته وهو بناء الكعبة المشرفة كان دعاؤه لنفسه ولولده الذي ساعده ولأمته من بعده أن رفع يديه قائلًا: (ربنا اجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ً مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) .
وقبل أن ينتقل إبراهيم إلى الرفيق الأعلى وصى أهله وأبناءه بأن يتمسكوا بدين الإسلام وألا يحيدوا عنه شعره واحدة (ووصى بها إبراهيم بنيه يعقوب يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
وانتقل إبراهيم لربه وكان من بعده حفيده يعقوب والد بني إسرائيل جميعًا الذي سنتابع الحديث عنه وعمن بعد في الأسبوع القادم بإذن الله - تعالى - ونسأل الله أن يوفقنا للتمسك بالدعوة التي ارتضاها الله للناس أقول هذا القول وأستغفر الله..
تاريخ الدعوة زمن الأنبياء ( 2 )
إن المقصود من الحديث عن تاريخ الدعوة الإسلامية هو أن نعلم وأن يعلم الناس أن ما ندعو إليه ليس بأمر محدث وإنما هو خط بدأه الأنبياء وأمر نزل به الوحي من السماء وتحدثنا عن سيدنا نوح - عليه الصلاة والسلام - الذي رفع لواء الدعوة إلى الإسلام تسعمائة وخمسين سنة وقد كان - صلى الله عليه وسلم - خلال هذه السنوات الطويلة يدعو قومه صابرًا محتسبًا لم يترك وقتًا ولا أسلوب إلا وأستخدمه في دعوته في الليل والنهار في السر والعلن...ثم تحدثنا عن أبي الأنبياء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الذي طلب من ربه أن يجعله وولده مسلمين وأن يخرج من ذريته أمة مسلمة تحمل لواء الدعوة فقال (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) .
ثم من بعده يعقوب - عليه الصلاة والسلام -.. وسيدنا يعقوب هو حفيد سيدنا إبراهيم وهو والد بني إسرائيل جميعًا... عندما حضرته الوفاة كان يدور في ذهنه أمر يقلقه يا ترى ما القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ما الأفكار التي تراوده وتمر على ذهنه وهو في سكرات الموت.. ما هو الأمر الذي يريد أن يطمئن عليه قبل أن يفارق الحياة..ستجدون الجواب على هذه الأسئلة في قوله - تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي..) .
هذا ما كان يشغل تفكيره في سكرات الموت ما تعبدون من بعدي ما هو الخط الذي ستسيرون عليه ما هي الدعوة التي ستتمسكون بها وترفعون لوائها من بعدي (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إله واحدا ونحن له مسلمون)
لم يطمئن قبل وفاته حتى سمعها من أولاده وأحفاده وأقروا أمامه أنهم سيعيشون وسيموتون على ملة الإسلام والتوحيد الخالص.
ومن الأنبياء الذين رفعوا لواء الدعوة إلى الله سيدنا يوسف ابن سيدنا يعقوب عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. سيدنا يوسف الذي مر بحياته بمصائب ومصاعب ونكبات تهد الجبال، فقد تنكر له اخوته ووضعوه في غيابة الجب...وراودته امرأة العزيز فلما امتنع عنها تنكرت له ووضعته في غيابة السجن ولكن الدعاة إلى الله لا يثنيهم شئ عن المهمة التي حملهم إياها الله - عز وجل - فهم يرفعون لواء الدعوة إلى الله مهما كانت الظروف حتى إذا ما نفاهم الطغاة فيعتبرون أن نفيهم عن أوطانهم سياحة وإذا سجنوهم فيعتبرون أن سجنهم خلوة، وحفظ الله الشاعر الذي صرخ في وجه العملاء والطغاة الذين يحاربون الدعاة ويدكونهم في السجون والمعتقلات كما فعل بسيدنا يوسف صرخ في وجههم ليخبرهم أن الدعاة الصادقين لا يمتنعون عن رفع لواء الدعوة مهما كلف الأمر فقال لهم بكل ثبات:
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي *** بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة *** أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي *** وربي ناصري ومعيني
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي *** وأموت مبتسمًا ليحيا ديني
وهكذا كان سيدنا يوسف عندما وضع القيد في يده وألقي في السجن وإذا به يحول السجن إلى مدرسة للتوحيد ونشر دعوة الإسلام فيقول لمن معه يعرض عليهم دعوة الإسلام (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) .
وبقي سيدنا يوسف صابرًا محتسبًا رافعًا لواء الدعوة حتى فرج الله عنه وملكه الدنيا والمال والسلطان وأصبح ملكًا وحاكمًا يتصرف كيف يشاء وإذا به يرفع يديه إلى الله - عز وجل - والشوق يملأ قلبه فهو لا يريد مالًا ولا ملكًا ولا كرسيًا وإنما همه أن يموت على دعوة الإسلام التي عاش من أجلها فدعا ربه قائلًا:
(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) ...
الدنيا أصبحت في يده وهو يرغب عنها ويطلب من ربه قائلا (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) ومن أعظم الدعاة الذين مروا على التاريخ ولم يكن لهم حظ من أقوامهم من الاحترام والتبجيل والتعظيم الذي يستحقونه بجدارة سيدنا سليمان على نبينا و- عليه الصلاة والسلام - فقد من الله عليه وأعطاه ملكًا عظيمًا وسخر له كل المخلوقات من الإنس والجن والحيوانات والجبال لتعمل معه في مجال الدعوة إلى الإسلام حتى جاءه الهدهد في يوم من الأيام وأخبره أن امرأة في اليمن تحكم قومًا يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله... سبحان الله هدهد صغير بسيط لما رأى أناسًا قد انحرفوا عن الإسلام والدعوة الإسلامية أنكر عليهم وحمل همهم وأخبر بهم نبي الله سليمان.