فمن جاد بوقته فإنما يجود بنفسه وحياته، وهو علامة سمو في الأخلاق، ورقي في السلوك، وحسن في الشمائل، ولكن لا يفهم من هذا أن يبذل الوقت رخيصًا أو من غير فائدة وطائل، فالحرص على الوقت من صفات العقلاء وقد قال الله - تعالى- للمؤمنين: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) (المجادلة:12) ، جاء هذا الحكم لما أقبل الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بكرمه الفياض يبذل وقته لهم، ويقضي حوائجهم، فجاء هذا الحكم ليبين للناس أن وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أغلى ما يكون، فلما أمروا بالصدقة قبل مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كف الناس عن مناجاته، فهل المال أغلى من وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ تلك هي الرسالة التي وجهها ذلك التشريع للناس، فنبههم أن لا يثقلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رفع هذا الحكم بعد أن أدى الغرض منه وهو تنبيه الناس حتى يحافظوا على وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -، رفع هذا الحكم بمجرد وصول تلك الرسالة.
إن الوقت ثمين، وكما أن من الكرم صرف الوقت وبذله للآخرين في ما ينفعهم ويصلحهم؛ فكذلك من الخسران بذله في غير محله، ولقد حجب الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأوقات، وفي بعض الأوقات لم يؤذن بالدخول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير عدد قليل من الصحابة.
لقد عالج الإسلام أمر الحرص على الوقت، وأمر الناس أن يعذروا من ضن به في بعض الأحيان فقال - تعالى-: (( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) ) (النور: من الآية28) .
إن الحسنة بين سيئتين، فعلى الطلاب العلم وغيرهم أن يكونوا كرماء بأوقاتهم، ويبذلوها في ما ينفع العباد، ويقربهم إلى ربهم - تعالى-، وهم موعودون إذا فعلوا ذلك بالبركة والخير، وكذا عليهم أن يحرصوا على أوقاتهم فلا يضيعوها في ما لا نفع فيه، ولا كبير طائل من ورائه.
http://www.almoslim.net:المصدر
سبب زوال أثر الموعظة بعد انتهاء وقتها ؟
د ـ صالح المقبل
سبب زوال أثر الموعظة بعد انتهاء وقتها؟؟ يقول ابن الجوزي جوابًا على هذا السؤال"قد تعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة فإذا انفصل عن مجالس الذكر عادة القسوة والغفلة، فتدبرتُ السبب في ذلك فعرفته ثم رأيتُ الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة بعدها لسببين:"
أولًا: أن المواعظ كالسياط والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها.
ثانيًا: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العِلَّة، قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها وكيف يصح أن يكون كما كان؟ وهذه حالة تعم الخلق إلا أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر، فمنهم من يعزم بلا تردد ويمضي من غير التفات فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه: نافق حنظلة، ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانًا، ويدعوهم ما يُقدم من المواعظ إلى العمل أحيانًا فهم كالسنبلة تميلها الرياح، وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كماء دحرجته على صفوان""