فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 788

ومما يُحزنُ القلبَ ويُعظمُ الخطبَ أن تتسللَ بعضُ هذه المفاهيمِ وتلك السلوكياتِ في السياحةِ المُعاصِرةِ إلى عالمنا الإسلامي، بل وقعَ ذلكَ أو جلُّهُ في أجزاءٍ من عالمنا، وذلكَ في مرحلةِ الضعفِ الروحي، والهزيمةِ الفكريةِ، وباتت السياحةُ تُمارسُ كرافدٍ اقتصادي، ومؤشرٍ للانفتاحِ على العالم، ولو كانَ ذلكَ على حسابِ الخُلقِ والدين، وإشاعةِ الفاحشةِ والرذيلة، واجتثاثِ القيم، وذبحِ الفضيلة.

أيُّها المسلمون: وحمى الله بلاد الحرمين - فيما مضى- من عقاقيرُ هذه السياحةِ المُصدرة، فلم تُستبح حماها، ولم يعبث السُوَّاحُ الأجانبُ بأرضها، بقي مجتمعُها أصيلًا محافظًا لم يخترقهُ الآخرونَ بسلوكياتِهم المشينة، وأفكارِهم المُنحلة وأمراضهم الفتَّاكة، وبقيَ الأمنُ فيها مستتبًا، والناسُ يُتخطفُونَ من حِولِنا، والسياحةُ والسُوَّاح سببٌ من أسبابِ هذا الخللِ الأمني .

ولكنَّا - عباد الله - بدأَنا نسمعُ مؤخرًا عن دعواتٍ للسياحةِ في بلادِنا تستهدفُ العائلاتِ في المملكةِ والخليج، كما أُعلنَ في الصحفِ، وفيها إعلانٌ لحفلاتٍ غنائِيةِ، وتلميعٌ لنجومٍ وهمية، بل جاءَ في إحدى الصُحف الخبرُ التالي:

بعد النجاحِ الكبيرِ الذي خرجَ بهِ مهرجانُ صيفِ أبها العامَ الماضي الذي عدّهُ البعضُ أكبر تجمعٍ فنيّ غنائي عربي لنجوم الساحة الفنية، فقد أقرت اللجنةُ برامجَ حفلاتِ مهرجان صيفِ هذا العامِ الغنائيةِ الكبيرة، التي سيكُونُ للجمهورِ موعدٌ معها ومع كبار مُبدَّعي الأغنيةِ، في المنطقةِ الذين سَيصنعُونَ صيفًا ساخنًا مليئًا بالفنِّ والطربِ والثقافةِ العامة، (عكاظ عدد 11940 في 20/1/1420هـ) .

أيُّها المسلمون:

ينبغي أن تتميزَ سياحتُنا عن سياحةِ الآخرين، وإذا نجحنَا في صرفِ الناسِ عن السفرِ للخارج، فذلك أمرٌ مرغوبٌ ومحمود، ولكن شريطةَ ألاَّ نقعَ في المحظورِ بأيِّ لونٍ من الألوان، فالحكُمُ الشرعيُّ في المُحرمِ واحد، وإن اختلفَ المكانُ أو الزمان .

ونحنُ في بلادِ الحرمينِ لنا خصوصيةٌ تُميزُنا عن غيرنا، فسلوكياتُِنا محلُ نظرٍ وتقديرِ العالم الإسلامي، وفينا قبلتُهم، وفي بلادِنا محيا ومبعثُ ومماتُ نبيهم، ومن أرضِنا انطلقت راياتُ الجهادِ وحملَ الفاتحونَ العِلمَ والحضارةَ الحقَّةِ للعالم، فكُنَّا بحقٍّ مصابيحُ الدُجى، ودعاةَ خيرٍ، وسطَّرنَا صحائفَ من ضياء، فما نسيَ الزمانُ ولا نسينا، وبلادُنا اليومَ مُؤهَلةً للقيادةِ من جديد، بإمكانَاتِها، وعُلمائِها، وموقعَ المُقدساتِ فيها، وسلامةَ الفكرِ، وصحةَ المعتقد فيها، وذلك في خضمِ حربِ الأفكارِ وصراعِ المعتقدات، ولئن عَجزنا أو قصَّرنا في حملِ ذلكَ للناسِ في دِيارِهم، فأقلَ الواجبِ أن نحفظَ هذا الكنْز الكبيرِ، ونحافظُ على هذا التاريخِ المجيدِ في بلادنا، حتى يتذكرهُ من وفدَ إلينا، وتبقى أرضُنا جُذوةً لإحياءِ المشاعرِ الإسلامية، لا أن نستبدلَ الذي هُو أدنى بالذي هو خير .

إنَّ بلادنا - والحمد لله - غنيةٌ بموارِدها الاقتصاديةِ الأخرى، وخيرٌ لنا أن نُنَميها ونزيدُ من فاعِليَّتِها، من أن نلجَ من بوابةِ السيَاحةِ الضيقةِ لدعمِ اقتصادنا، بل بإمكانِنَا أن نُجددَ في مفهومِ السياحةِ، ونقترحَ أنماطًا مشروعةً تستجلبُ الآخرينَ دُونَ أن تُأثرَ على دِينهم وأخلاقِهم .

إنَّها دعوةٌ للمسئولينَ ، والعلماءَ والمفكرينَ والأولياءَ، للمحافظةِ على أصالتنا، وحمايةِ بلادِنا ومُجتمعِنا من سُمُومِ الآخرين، عبر بوابةِ السياحةِ، وقد تزدادُ مُستقبلًا فتكونُ بوابةُ انحرافٍ خُلقي، وباعثةٍ لمشكلاتٍ أمنية، وطريقًا لانتشارِ الأدواءِ والأمراضِ الفتَّاكة ؟

إنني أُناشِدُ كلَّ غيورٍ، وصاحبَ مُواطنةٍ صالحةٍ للمساهمةِ في استدامةِ الأمنِ والإيمانِ في هذهِ البلادِ الطاهِرة، والبعدِ عن كلِّ أسبابِ الفسادِ والانحرافِ الخلقي، ومحمد r جاء - يوم بُعث - ليُتممَ مكارمَ الأخلاق، وجاءت شريعتُهُ ناهيةً عن اللهوِ والغفلةِ، وضياعِ الأوقاتِ، وتبذيرِ الأموال، وكانَ فيما أُوحي إليه: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِل عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولئِكَ لهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ) (سورة لقمان:6) .

سُئلَ ابنُ مسعودٍ t عن تأويلِ هذهِ الآية، فأقسمَ ثلاثًا هو الغناء، واللهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هو، وكذا قالَ ابنُ عباس، وجابرُ، وعكرمةُ، وسعيد بنُ جبير، ومجاهدٌ ومكحول وغيرهم، (تفسير ابن كثير 3/703) .

وفي السُنةِ النبويةِ تأكيدٌ على حُرمةِ الغناء، ففي صحيحِ البخاري: (( ليكُوننَّ من أمتي قومٌ يستحلونَ الحِرَ والحريرِ والخمرِ والمعازف ) ) (الفتح 10/51) .

وتأملوا كيفَ جُمعَ تحريمُ الغناءِ والمعازفِ مع تحريمِ الفروج، والحريرِ والخمر؟ وما فتئَ علماءُ الأمةِ الربانيون يُحذِرُونَ من فتنةِ وعبوديةِ الشهوات.

يقولُ الشافعي - رحمه الله: (من لزمَ الشهواتِ لزمتهُ عبوديةُ أبناءِ الدنيا) (سير أعلام النبلاء 10/97) .

ويقولُ ابنُ تيميةَ - رحمهُ الله: (والعشقُ والشهواتُ إنَّما يُبتلى به أهلُ الإعراضِ عن الإخلاصِ لله، الذين فِيهم نوعٌ من الشركِ، وإلاَّ فأهلُ الإخلاصِ كما قال تعالى في حقِّ يوسفَ- عليه السلام-:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلصِينَ ) ) (سورة يوسف:24) (الفتاوى 15/421) .

وأخيرًا أحذر أخي المسلم، أختي المسلمة أن نكونَ ممن قالَ اللهُ فيهم: (( فَخَلفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا ) ) (سورة مريم:59) .

اللهمَّ احفظنا بحفظك، واكلأنَا برعايتك، وحبب إلينا الإيمانَ، وزينهُ في قُلوبِنا، وكره إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين .

اللهمَّ احفظ بلادَنا وبلادَ المُسلمِينَ من كلِّ سُوءٍ ومكرُوه

الوقت وأهميته

فإنَّ أساس السعادة الدنيوية والأخروية تقوى اللهِ سبحانه، وتحقيق العبودية له - جل وعلا -, فمن اتقى اللهَ وعملَ بطاعتهِ أفلح ونجا, وجعل له من كلِّ ضيقٍ مخرجًا, ومن كلِّ همٍّ فرجًا, ورزقَهُ الله من حيثُ لا يحتسب, ومصداق ذلك في كتاب الله سبحانهُ في مواضع كثيرة, يقولُ تعالى: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) ) (سورة الطلاق:2 -3) ,

ويقول: (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ) (سورة النور:52) .

وقت الإنسان وساعات ليله ونهاره، هي حياته ورأس ماله, وكلَّ يوم يمضي يهدمُ جُزءًا من العُمر, ويقربُ إلى القبر.

قال الحسن- رحمهُ الله-: (يا ابن آدم إنَّما أنت أيَّام, كلَّما ذهب يومٌ ذهب بعضُك) .

فوقت الإنسان إذًا هو عُمرهُ في الحقيقة, وهو كما تُشاهدون يمرُّ مرَّ السحاب، ويمضي بسرعة, فما كانَ من هذا الوقت في طاعة الله وما يُقربُ إليها فهو النافع وهو الحياة الحقيقية, وما عدا هذا فليس محسوبًا من الحياة، وإن تمتع فيه الإنسان كما تتمتَّعُ البهائم .

إنَّ الإنسان الجادَّ هو الذي يسعى في الاستفادة من وقته وشغله بما يعودُ عليه بالنفع العاجل والآجل, يسارع إلى استغلال الفراغ قبلَ الشُغل, والصحَّة قبل السّقم.

في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( نعمتانِ مغبونٌ فيهمَا كثيرٌ من النَّاسِ, الصِّحَّةُ والفَراغُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت