فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 788

والحديث يدل على المرء تارة تعلو همته فينشط للطاعة، وتارة يصيبه الفتور والضعف فيكسل عن الطاعة، وهذا الضعف إما أن يكون إلى سنة وخير وهذا يكون بالمحافظة على الفرائض وترك المنكرات، فلا ينقطع عن العبادة بالكلية، فمن كان هذا حاله فهو على خير، وتارة يصل الفتور بالعبد إلى درجة تورده موارد الهلاك فيكون التقصير في الفرائض والاجتراء على المنكرات، ومن كان هذا حاله فهو على خطر عظيم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"فقد هلك".

فاحذر أن يفتقدك الله تعالى حيث أمرك، أو يجدك حيث نهاك، بل كن وقافا عند حدوده، سبحانه، مؤديا فرائضه، ومن أشد الناس بعدا عن كل ما يجلب عليك مقته وعذابه.

وأنصحك أخي الحبيب، بما أنصح به نفسي، فأقول لك:

استعن بالله ولا تعجز:

السبيل إلى الاستقامة والثبات على هذا الدين أن تستعين بالله سبحانه وتعالى"إياك نعبد وإياك نستعين"، أي نخصك وحدك بالعبادة والاستقامة، فلا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، وذكره للاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول:"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" [1] ، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة و الباطنة."

والاستعانة هي: الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك، والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية [2] . فاجعل شعارك"إياك نعبد وإياك نستعين"وترجمها إلى واقع عملي تسلم وتغنم.

فتش عن الصحبة الصالحة:

الصحبة التي تعينك إذا تذكرت وتذكرك إذا نسيت، فالزم الأخيار الأتقياء، الذين وطنوا نفسهم على الطاعة والتزموا منهج الله عز وجل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم": المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم"مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير". [4]

اجعل لنفسك وردا يوميا للمحاسبة:

"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر { بومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ."

اعرف واجب الوقت:

فاحرص على أن تحدد واجباتك اليومية وحدد أولوياتك ، ولا تفرط في شيء على حساب غيره"فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا".

لا تكن عاصيا بنومك:

قال تعالى"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا"فالليل والنهار نعمتان للبشر مختلفتان في الأسباب والآثار؛ فنعمة الليل راجعة إلى الراحة والهدوء ، ونعمة النهار راجعة إلى العمل والسعي ، ولا تغمض عينيك وتخلد إلى النوم إلا وأنت عازم على أداء ما فرضه الله عليك ، وخذ من الأسباب ما يعينك على ذلك، أما أن تنام ولا تعزم على الاستيقاظ لفريضة الصلاة ولا تتخذ الأسباب التي تعينك على ذلك ففي هذه الحالة تأثم بنيتك وتكون عاصيا بنومك. واعلم أن بقاءك في المكان الذي أنت فيه مرهون باستقامتك على دينك وإلا كانت الهجرة واجبة.

طالع فتوى: شروط الإقامة في بلاد الغرب.

أكثر من ذكر الموت والدار الآخرة:

فإن من شغل بعمل الدنيا انصرف عن هم الآخرة، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على تذكر الآخرة وزيارة القبور، ففي سنن الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استحيوا من الله حق الحياء. قلنا: يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله. قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.

وختامًا؛

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستقامة على طاعته والثبات على دينه. وتابعنا بأخبارك أخي الحبيب.

طالع أيضًا:

في الغربة.. ضاع مني إيماني!

أعينوني على ترميم إيماني!

أفتقد"لذَّة الإيمان".. اهزم الشيطان

[1] - رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين.

[2] - تفسير العلامة عبد الرحمن السعدي المسمى: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

[3] - رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.

[4] - رواه مسلم.

بسبب العمل.. تاهت إيمانيا

أمراض القلوب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكرًا لكم على الموقع المتميِّز. كيف نقوِّي صلتنا بربِّنا في ظلِّ التغيُّرات التي نواجهها في عصرنا والاغراءات الكثيرة؟ أنا فتاةٌ قبل أن أعمل كنت"إنسانة"ملتزمةً في النواحي الدينيَّة، ولكن بعد أن عملت، كلُّ شيءٍ تغيَّر نحوي، فانجرفت في دوَّامة، ولا أعرف كيف أخرج منها. كلُّ أخلاقي تغيَّرت عن ذي قبل. فهل ترشدونني إلى طريق الصواب؟ التائهة ... السؤال

الدكتور كمال المصري ... المستشار

... ... الرد ...

... أختي الكريمة"التائهة"،

أكرمك الله تعالى حين استشعرتِ تراجعك الإيمانيّ، وهذا -كما نقول دائما- هو بداية طريق العلاج والإصلاح.. وها قد وضعت رجلك على الطريق.

والحقيقة أنَّ مسألة دخول الإنسان في دوَّامة العمل، هي مشكلة معظم"الملتزمين"، فهم ينتقلون من بيئةٍ طيِّبةٍ فيها من الوقت وراحة البال الكثير، وهي البيئة الدراسيَّة بأقسامها المختلفة، إلى بيئةٍ تكثر فيها الالتزامات والانشغالات والأعباء و"الهموم"، وهي بيئة العمل.

وهذا الانتقال -بالتأكيد- له آثاره السلبيَّة وظلاله التي تحطُّ على الإنسان، وقد تستهلكه وتقضي عيه، لولا رحمة الله تعالى به حين ينبِّهه ويذكِّره.. فيغدو عليه أن يقتنص إيمانه قبل فوات الأوان.

فحالك يا أختي الكريمة ليس حالك وحدك، بل هو حال معظمنا.

أمَّا العلاج، فيكمن في أربعة أمور:

1-تنظيم الوقت وترتيبه.

2-إيمان المعاملة.

3-الصحبة الصالحة.

4-العيش مع الأمَّة.

1-تنظيم الوقت وترتيبه:

الوقت هو الحياة، وهو إن لم ندركه أدركنا، وما المرء إلا دقائق وثوانِ، فإذا ذهب وقته ذهب بعضه.

لهذا كانت مسألة ترتيب الوقت، وتحديد المتطلَّبات والالتزامات أمرٌ أساسيٌّ وضروريّ.

لذلك فلنعمل وفق أربعة قواعد:

-تحديد ما علينا من مسؤوليَّات.

-عمل قائمةٍ تسمَّى:"أعمالٌ يجب إنجازها اليوم".

-ترتيب هذه الأعمال وتحديد أوقاتها.

-زحزحة جدار التعب.

وسأضرب مثالًا توضيحيّا:

لديك اليوم الأعمال التالية: العمل- الزاد اليوميُّ من قرآنٍ وذكرٍ وما إلى ذلك- بعض الالتزامات الأسريَّة: كزيارة أحدٍ مثلا، أو ترتيب شراء بعض الاحتياجات، أو ترتيب بعض الأمور في البيت.. وما إلى ذلك- بعض الالتزامات الدعويَّة: كحضور درسٍ، أو قراءة قرآن، أو قيام ليلٍ أو ما إلى ذلك.. صمِّمي جدولًا أو قائمةً بأوقات اليوم بالساعات،"وهي القاعدة الثانية"، ثمَّ ضعي هذه الالتزامات أمامك، حدِّدي منها ما لها مواعيد لا يمكن تأجيلها أو تغييرها كالعمل مثلا، ضعي هذه المواعيد الثابتة في الجدول، ثمَّ انظري في الباقي، وحاولي ترتيبه في الجدول حسب طبيعته وأفضل أوقاته، وهكذا حتى تنتهي منها كلِّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت