فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 788

وكان حديثه يتركز على كثرة الأوقات التي لا نستفيد منها إطلاقًا وهي أيام وليالٍ تنقضي من أعمارنا دون أن نحس أو نندم .

قال إنه أخذ مصحف الجيب هذا منذ سنة واحدة فقط عندما حثه صديق له بالمحافظة على الوقت .

وأخبرني أنه يقرأ في الأوقات التي لا يستفاد منها كثيرًا أضعاف ما يقرأ في المسجد أو في المنزل .. بل إن قراءته في المصحف زيادة على الأجر والمثوبة - إن شاء الله- تقطع عليه الملل والتوتر .. وأضاف محدثي قائلًا .. إنه الآن في مكان الانتظار منذ ما يزيد على الساعة والنصف .

وسألني ...

متى ستجد ساعة ونصف لتقرأ فيها القرآن ؟

تأملت .. كم من الأوقات تذهب سدى ؟! وكم لحظة في حياتك تمر ولا تحسب لها حساب ؟!

بل كم من شهر يمر عليك ولا تقرأ القرآن ؟!

أجلت ناظري .. وجدت أني محاسب والزمن ليس بيدي ..

فماذا أنتظر ؟ قطع تفكيري صوت المنُادي .. ذهبت إلى الطبيب .

أريد أن أحقق شيئًا الآن .

بعد أن خرجت من المستشفى .. أسرعتُ إلى المكتبة .. اشتريتُ مصحفًا صغيرًا ..

قررتُ أن أحافظ على وقتي .. فكرت وأنا أضع المصحف في جيبي .

كم من شخص سيفعل ذلك ..

وكم من الأجر العظيم يكون للدال على ذلك ؟

أهمية الوقت والإجازة

الحمد لله الذي بيده المحيا والممات ، عالم غيب الأرض والسموات ، وفق عباده المتقين لاغتنام الأوقات ، فيما فيه السعادة في الدنيا وبعد الممات ، أحمده سبحانه فهو المرتجى وحده في الصغائر والمهمات ، وأشكره جل جلاله شكر من يرجو الخروج إلى النور بعد الظلمات . أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له شهد بوحدانيته الحجر والنبات ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قدوة القدوات وخير البريات فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا .

أما بعد: فهذا ربكم معاشر من أمنتم بالله الواحد الأحد يناديكم فيقول: يآأيها الذين ءآمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسًا ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون ، وصية من الرحمن الرحيم إلى كل عبد مؤمن لينظر كيف قضى أوقاته بما عمَّر زمانه ، وهو تنبيه من الباري جلت قدرته لأهمية عنصر الزمن في حياة المسلم وأنه رأس ماله فإن أحسن استغلاله فاز بالرضوان وبنعيم الجنان وبجوار الملك الديان ، وإن أهمل وفرط لاسمح الله وركن إلى استغلاله في الشهوات المحرمات باء بالخسران ، وتلظى بالنيران ، وفاته من ربه الرضوان .

أيها الأحبة في الله لقد تعددت وتنوعت الأيات الدالة على أهمية عنصر الزمن في حياة المسلم ، فنجد الحنان المنان يقسم في أية بالعصر ، وفي أخرى بالليل إذا سجى ، و في ثالثة بالنهار إذا تجلى ، وفي رابعة بالضحى ... وهكذا ، فهل فهمنا معنى تلك العبارات ومغزى تلك الدلالات . هذا ابن عباس رضي الله عنهما يروي لنا عن الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه أنه قال: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) )؛ والغبن أيها الأحبة في الله أن تشتري بأضعاف الثمن أو أن تبيع بدون ثمن المثل ، فمن أصح الله له بدنه ، وفرغه خالقه من الأشغال العائقة ، ولم يسع لصلاح آخرته فهو كالمغبون في البيع أو الشراء ، والمقصود أن غالب الناس لاينتفعون بالصحة والفراغ بل يصرفونها في غير محلها ، والتوجيه الرباني للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده كيف يقضي الفراغ هي قوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب } .

والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه *** وأراه أسهلُ ما عليك يضيع .

وللوقت أيها الحبة خصائص إذا ما تنبه إليها العبد كان حريصًا على وقته ، وأول تلك الخصائص أنه سريع الانقضاء فهو يمر مر السحاب ،

مرت سنينٌ بالوصال وبالهنا *** فكأنها من قصرها أيامُ

ثم أنثنت أيامُ هجر بعدها *** فكأنها من طولها أعوام

ثم انقضت تلك السنونُ وأهلها *** فكأنها وكأنهم أحلامُ

ومهما طال عمر الإنسان فهو قصير مادام الموت نهايته ، فعند الموت تنكمش الأعوام والعقود حتى لكأنها لحظات برق مرت ، يحكى عن نبي الله نوح عليه السلام: أنه جاءه ملك الموت ليتوفاه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعده ، فسأله كيف وجدت الدنيا ؟ فقال: كدار لها بابان ، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر ، ويقول العليم الخبير: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ، ويقول سبحانه: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } .

وثانيها: أن ما مضى منه لايعود ولا يعوض ، يقول في ذلك الإمام الجهبذ الحسن البصري: (( ما من يوم ينشق فجره ، إلا ينادي يابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ) )، وما من ميت يموت إلا ويندم على ما مضى من عمره فالصالح حينما يرى النعيم يندم الا يكون قد إزداد منه ، والفاسق عياذًا بالله يتمنى لوكان عمل صالحًا حتى أنه ينادي ربه فيقول: { ربي ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت } ولكن هيها هيهات ، فقد طويت صحيفته وحضرت منيته ، وحكمت قضيته .

الثالثة: أنه أنفس ما يملك الإنسان ، إنه أنفس من الذهب والجوهر ، يقول أحد المصلحين: الوقت هو الحياة ؛ فما حياة الإنسان إلا الوقت الذي يقضيه من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة .

دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني

وفي هذا يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: (( يابن آدم ، إنما أنت أيام مجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك ) )، فما أشد جهالة من يردد تعال نقتل الوقت ، وما أشد تفريط وحسرة من ضيع عمره في السهرات ، وما تبثه الدشات ، ومتابعة المسلسلات ، وتلقط أخبار اللاعبين واللاعبات والفنانين والفنانات .

يا أبناء أمة الإسلام العظيمة أمتكم تعاني من الذل والهوان ، وتشكوا إلى الله من الضعف والعناء ، فكيف تقوم أمة شُغل جُلُّ أفرادها بالترهات ، وأخذوا يتفننون في قتل الأوقات ؟ ! .

يا أبناء أمة الإسلام العظيمة لقد خلقتم لمهمة شريفة وغاية نبيلة ، لقد حملتم أمانة هداية الناس واخراجهم من دياجر الظلمات إلى فسحة النور ، وللنظر إلى سلف هذه الأمة الذين أدركوا الأمانة الملقاة على عاتقهم كيف كان تعاملهم مع الوقت .

أما عن نظرتهم إليه فنكتفي بشعارين لهما الأول يقول: (( من علامة المقت إضاعة الوقت ) )، والثاني يقول: (( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) ). فكم لهذا السيف من ضحايا في شبابنا المعاصر ضحايا متسكعون في الأسواق ، وأخرين يبيتون ساهرين على أرصفة الطرقات ، أو أمام شاشات الدشات . ولم تكن هذه شعارات جوفاء بل كانت حياة يعيشونها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت