فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 788

أفلا تذكرت واعتبرت بدنو الأجل وقرب الرحيل! كم ودعت في عامك الماضي من حبيبب؟ وكم فارقت من غال؟ وكم حملت من جنازة إلى قبرها، ونفس تزجى لأمر ربها؟

أما كان لك في ذلك موعظة؟ أما تخشى اليوم الذي تكون فيه محمولًا لا حاملًا، ومغسولًا لا غاسلًا، ومدفونًا لا دافنًا؟ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] .

إنه الموت الذي ينتهي إليه كل حي، والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره أحد، الموت الذي يفرق بين الأحبة ويمضي في طريقه لا يتوقف ولا يلتفت ولا يستجيب لصرخة ملهوف ولا لحسرة مفارق ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف.

سبيل الخلق كلهم فناء…فما أحد يدوم له بقاء

يقربنا الصباح إلى المنايا…ويدنينا إليهن المساء

أتأمل أن تعيش وأي غصن…على الأيام طال له النماء

يا أخوتاه… بلغنا أن زاهدًا كان كثير النصح والوصية لأصحابه، فقال له أصحابه يوما: لو أوجزت لنا معناك في جملة تكون لنا شعارًا! فقال: نعم، فقام وكتب على الجدار بخط كبير: لا تمضوا في طريق اليأس ففي الكون آمال، ولا تتجهوا نحو الظلمات ففي الكون شموس!

إنه شعار جميل نضعه نصب أعيننا ونحن نودع ذلك العام المحمل بالجراح.

إنها دعوة للتفاؤل والإيجابية والبذل والعمل، وعدم الاكتفاء بالبكاء والنحيب وتعداد المصائب .

لسنا يا أخي في مناحة نعدد فيها المصائب ونبكي ثم لا يكون شيء، لا إنما نحن في لحظة اعتبار وادكار، نتخذ من عرض هذه الآلام طريقًا إلى الآمال، ونجعل ذكر هذه الجراح سلمًا للفلاح.

ولقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم التفاؤل والأمل حتى في أحلك اللحظات، أوليس هو الذي كان يبشر أصحابه بفتح بلاد كسرى وقيصر واليمن وهم محاصرون يوم الأحزاب في المدينة؟

وكيف لا نتفاءل ونرجو الخير ونحن نرى كثيرًا من المبشرات تلمع خلال الظلام وتؤذن إن شاء الله بفجر جديد.

هذا الجيل المبارك من شباب الصحوة الذي يملأ المساجد.

هذه العاطفة الدينية القوية لدى الشعوب الإسلامية.

هذا الجهاد الحي المؤمن في أنحاء كثيرة من أرض الإسلام.

هذا التداعي والهبوط لكثير من القوى الكافرة.

كل هذه وأمثالها مبشرات على الطريق.

المهم ما هو دورك أنت؟

ابدأ بنفسك فأصلحها، ثم بأهلك، ثم بإخوانك، ثم بمن حولك، ثم ارفع يديك إلى السماء وقل يا رب.

"حتى إذا وجدت تلك القلوب التي لا تطمع إلا فيما عند الله ولا تنتظر ثوابا في الدنيا تنزل عليها نصر الله".

آه ما أكثر الجراح ولكن …أمتي أمة الثبات العنيد

لم تزعزع يقيننا الصرصر القر ……ولم تثننا صلاب السدود

لم يزل في دمائنا ألف سعد ……يتلظى وألف قطز جليد

إن مضى عامنا ببؤس ……فإنا نلمح الخير ملء عام جديد

بوابة الزمن

فيصل بن عبد الرحمن الشدي

الخرج

جامع العز بن عبد السلام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-سرعة انقضاء الأيام والليالي. 2- حقيقة الدنيا. 3- وقفة محاسبة مع نهاية العام. 4- نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم. 5- الوصية بفتح باب المحاسبة مع النفس في نهاية العام.

الخطبة الأولى

أما بعد: فوا عجبًا لتلك البوابة، ما أعظمها، ما أوسعها، ما أكبرها، اتسعت لملايين البشر على مر التاريخ، كلٌ يدخل منها ويمضي، دخل منها آدم وموسى وعيسى ومحمد والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام، دخل منها الأغنياء والفقراء، والكُبراء والحقراء، والرجال والنساء، اتسعت لملايين الأحداث، أممٌ تباد ودولٌ تشاد، حروبٌ طاحنة ونوازل ساخنة، عجبًا لها من بوابة، لم تضق يومًا بالموتى ولا بالمواليد، ولا بالأفراح ولا بالأتراح، عجبًا لها من بوابة قد أشرعت أبوابها يوم أن حط آدم قدمه على الأرض، وستغلق بإذن ربها يوم أن يأذن الله بخراب الدنيا وزوال العالم.

نعم يا رعاكم الله، إنها بوابة الزمن، تلج من بوابتها السنين تلو السنين، وها هو العام الثاني والعشرون بعد الأربعمائة والألف للهجرة قد أزف رحيله وقرب تحويله، ها هو يطوي بساطه ويقوض خيامه ويشدُّ رحاله، وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، يا لله! العام الثاني والعشرون قطعناه من أعمارنا، أين ليله؟! أين نهاره؟! أين يومه؟! أين شهره؟! أين صيفه؟! أين شتاؤه؟! أين أفراحه؟! أين أحزانه؟! أين أنفاسه؟! أين لحظاته؟! إي وربي، إنها دوامة الزمن لا تقف لأحد، لا تنتظر أحدا، لا تحابي أحدا.

إخواني، إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين، من حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن في الآخرة منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.

ما كان شقاء الأشقياء ـ وربي ـ إلا أنهم كانوا لا يرجون حسابا، فوافتهم المنية وهم في غمرة ساهون، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] ، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ [الحديد:20] ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39] .

سبحان الله! ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار؟! أما علموا أن حياتها عناء ونعيمها ابتلاء، جديدها يبلى وملكها يفنى، ودّها ينقطع وخيرها ينتزع؟!

انظر إليها: ولادة وطفولة، وشباب وشيخوخة، ثم المشيب والهرم، ثم ينتهي شريط الحياة، ولكأنها غمضة عين أو ومضة برق، سرابٌ خادع، وبريق لامع، لكنها سيف قاطع، كم أذاقت بؤسًا، وكم جرعت غصصًا، وكم أحزنت من فرح وأبكت من مرح، وكدرت من صفو وشابت من غير. خدَّاعة مكارة، ساخرة غرارة، كم هرم فيها من صغير، وذل فيها من عزيز، وافتقر فيها من غني، أحوالها متبدلة، وشؤونها متغيرة، لا ترى فيها إلا راحلًا إثر راحل، أيام معدودة وأنفاس محدودة، وآجال مضروبة وأعمالٌ محسوبة.

روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي بمنكبي فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وروى الترمذي وغيره أن النبي قال: (( ما لي وللدنيا؟! ما أنا في هذه الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) ).

يروي ابن حجر في الإصابة أن ضرار بن ضمرة قدم يومًا على معاوية فقال له: صف لي علي بن أبي طالب، فكان مما قال فيه: فإنه ـ والله ـ كان بعيد المدى شديد القوى، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان ـ والله ـ غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، أشهد بالله أني رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائمٌ في محرابه قابضًا لحيته، يتململ تململ المريض، ويبكي بكاء الحزين، وهو يقول: (يا دنيا، يا دنيا، أبي تعرضت، أم لي تشوفت؟! هيهات هيهات، غرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق) ، قال: فذرفت دموع معاوية وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء.

إنا لنفرح بالأيام نقطعها…وكلُّ يومٍ منها يدنِي من الأجل

النفس تغترّ بالدنيا وقد علمت…أن السلامة منها ترك ما فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت