فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 788

سؤال عظيم وكبير في مضمونه يحتاج إلى جواب وأي جواب... فهلا تسمح لي بنيتي الحبيبة؛ لأن أضع أمامها الجواب الشافي بإذنه - تعالى - وبتوفيق منه، ولأن أحقق ما ترمي إليه نفسها المتعطشة المتلهفة وهنا أقول:

أولا: الحنان الأسري والإشباع العاطفي حين الطفولة من حق أولادنا، وإذا راهقوا فهم أشد حاجة إليه، ويجب إيصاله لهم بطرق مختلفة.

ثانيا: فتح باب الحوار مع الشباب، والإجابة على أسئلتهم بكل شمول على أن يكون ذلك بهدوء وتعقل واحتواءهم بكل ما تعنيه هذه الكلمات، وقدوتنا في هذا معلمنا العظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حواره مع الشاب الذي قال له:"إئذن لي في الزنا قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا، وأخذ - صلى الله عليه وسلم - يسأله... وهو يقول كذلك الناس لا يحبونه".

ثالثا: احترام مشاعر الأولاد وتقدير كل مرحلة عمرية يمرون بها وإعطاءها حقها من جميع النواحي قدر الإمكان، الناحية العقلية والاجتماعية والنفسية ومحاولة سد حاجتهم فيها...

رابعا: التقرب إليهم، والتودد لهم، وملاطفتهم.

خامسا: احترام علاقاتهم، واختيار الصحبة لهم منذ الصغر بإحسان انتقاء الحي والمدرسة.

سادسا: الابتعاد كل الابتعاد عن الاستخفاف والاستهزاء والتحقير...

سابعا: الثناء عليهم أمام الآخرين لما في ذلك من رفع لمعنوياتهم والإحساس بقيمتهم.

ثامنا: تكليفهم بأعمال محببة لهم، وإشعارهم بنجاحهم فيها ومكافأتهم عليها لأن في ذلك إعطاءهم للثقة في أنفسهم.

تاسعا: محاولة جذبهم واتخاذهم أصدقاء، ومصارحتهم، والاستماع لحديثهم والإنصات له، وتوجيههم دون إشعارهم باللوم والتأنيب وعدم إفشاء أسرارهم بعد المصارحة.

عاشرا: أخذ استشارته بأحد الأمور بقصد إعطائه الفرصة للشعور بنموه العقلي والعاطفي.

أحد عشر: مشاورة الفتاة في سن الزواج إذا تقدم لها أحد الخاطبين؛ لأن ذلك مما أمر به ديننا الحنيف.

اثنا عشر: إشغال وقتها بما تحبه وترغب فيه من الأعمال، وإعانتها ومساعدتها بطريقة تحببها فيه لتكون ربة بيت ناجحة، وإشعارها بأن سيكون لها مملكتها الخاصة بها قريبًا بإذن الله - تعالى -.

ثالث عشر: الإكثار من الدعاء لهم دائما بحضورهم وفي غيابهم.

رابع عشر: عدم كتمان المشاعر الأبوية عنهم؛ لما في ذلك من سعادة لهم ورفع لمعنوياتهم.

خامس عشر: العطف عليهم دائما وخاصة عند المرض.

سادس عشر: إبعادهم بقدر الاستطاعة عن المثيرات الجنسية والعاطفية؛ لأنها لا تلبث أن تدفع إلى الرغبة في أي صورة كانت.

سابع عشر: إعطائهم الهدايا التي تناسبهم في مراحلهم العمرية، وما يتناسب مع ميولهم واتجاهاتهم.

ثامن عشر: حثهم على استغلال أوقاتهم وخاصة في الإجازة، دون التصريح لذلك وإنما باختيار الوسائل المناسبة، بإهدائه بعض ما يقرأ أو يسمع على أن يشتمل على تشويق لجذبه.

هذه نصائح للمربين من أمهات ومعلمات ومرشدات عسى أن تعود عليهن بالنفع والفائدة.

نظرة الإسلام إلى وقت الفراغ

لقد عرف الوقت بأنه: مقدارٌ من الزمن، أما كلمة (الفراغ) فتكاد تجمع المعاجم اللغوية على أن معناها: الخلو من الشغل، فلقد ورد في لسان العرب لابن منظور أنه: الخلاء، وذكره الجوهري في الصحاح بما يقرب من هذا المعنى، فيقال: فرغت من الشغل، وتفرغت لكذا.. وذكر الراغب الأصفهاني: أن الفراغ خلاف الشغل، وقد فرغ فراغًا وفروغًا وهو فارغ (1) .

ومن هنا فوقت الفراغ لغويًا يعني: الزمن الذي يخلو فيه الإنسان من الشغل أو العمل.

وقد ذكرت كلمة الفراغ وبعض مشتقاتها في القرآن الكريم، من ذلك قوله - تعالى: {فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب} (الانشراح: 7) ، وذكر عامة المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآية: {فإذا فرغت فانصب} أن المقصود إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك.

ومن المعلوم أن الأصل في حياة المسلم أنه لا يوجد فيها وقت فراغ -بمعنى عدم العمل، لا للدنيا ولا للآخرة- ذلك أن الوقت أو العمر في حياة المسلم ملك لله، والإنسان مسئول عنه، فحياة المسلم كلها عبادة (2) ، فهو مطالب بملء الوقت كله في عبادة الله، بمعناها الشمولي العام لجميع جوانب الحياة -ولعل أبلغ من عرّف العبادة بمعناها الشامل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث قال: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة- لا بمعناها الضيق، أو كما يفهمه بعض الناس بقصرها على أداء بعض العبادات، كالصلوات والصيام والزكاة والحج والعمرة، ونحو ذلك من الأفعال التعبدية الظاهرة فقط.

ومن هنا تصبح جميع جوانب حياة المسلم تعبدية إذا اقترنت بالنية الصالحة، في العمل، أو الفكر، أو السكون، أو الحركة، أو الجد، أو المرح، أو القتال، أو اللهو، أو الأكل، أو الشرب، أو النوم، أو العلم، أو غيرها من الأعمال، حتى في الجماع مع الزوجة، فلقد ورد في الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ? فقال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان يكون عليه وزر ? قالوا: بلى'، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال له الأجر) (3) .

وهذا ما عبر عنه ابن القيم - رحمه الله - في معرض حديثه عن كيفية عمارة المسلم لوقته، فقال: (إن عمارة الوقت تكون بالاشتغال في جميع آناء الوقت بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك من مأكل، أو مشرب، أو منكح، أو منام، أو راحة، فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه، كانت من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات) (4) .

فكل أفعال الإنسان المسلم ونشاطاته عبارة عن أشكال تدور حول حقيقة واحدة، هي: العبادة، والاختلاف بينها إنما هو في الهيئة ليس إلا، وفي المظهر وليس الجوهر. إذ لا يوجد في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف، فالمنهج الإسلامي غايته تحقيق العبودية لله أولًا وآخرًا (5) .

لذا نجد أن مفهوم وقت الفراغ المتداول الآن مرادف لمفهوم البطالة، أي (لا عمل) ، وهذا ما يراه الاتجاه الغربي المادي، ومن هنا يمكننا طرح سؤال مهم، وهو: هل يمكن وجود وقت فراغ في حياة المسلم ?

لا شك أن ذلك غير ممكن بأي حال من الأحوال، فإن العمر -كما أسلفنا- ملك لله، وما الإنسان إلا مسئول عنه ومستأمن عليه في هذه الدنيا التي حدد الله - عز وجل - فيها دوره بوضوح ودقة متناهية وذلك في قوله - تعالى: {وما خلقت الجن إلا ليعبدون} (الذاريات: 65) .

وبناءً على ذلك لا يصح تصور وجود وقت مستقطع من حياة الإنسان المسلم يكون فارغًا فيه، ويسمى وقت فراغ.. فراغ من أي شيء، طالما أن حياته كلها عبادة لله، حتى في ترويحه وسروره وأنسه وجميع مناشط حياته ? فهو في كل أوقاته إما مأمور بأمر، أو منهي عن أمر، وبالتالي لا يمكن تصور وجود وقت في حياة المسلم يحق له أن يتصرف فيه كيفما يشاء حسب ما تنص عليه بعض تعريفات علماء الغرب لوقت الفراغ.. ومن هنا يقرر بعض الباحثين أن كلمة الفراغ الواردة في الأحاديث النبوية إنما يراد بها: سلامة القلب، والنفس، والفكر من كل ما يلهي عن الخير والعبادة (6) .

وهذا ما جعل الصحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، يقول: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.. وهذا أبو الدرداء - رضي الله عنه -، يقول: إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو، ليكون أقوى لي على الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت