ولا شك أن ما ذكر آنفًا يمثل حقيقة مهمة في التصور الإسلامي الصحيح لوقت الفراغ في حياة الفرد المسلم من الناحية النظرية التي ينبغي وجودها وشعور المسلم بها، إلا أن واقع المسلمين بشكل عام يشهد بضد ذلك، فما زال التصور الإسلامي الصحيح لوقت الفراغ بعيدًا عن أذهان بعض عامة المسلمين وأفرادهم، فكل متأمل لواقع الأمة المسلمة يرى الفراغ في كثير من أفراد المجتمع الإسلامي الحديث أصبح عمرًا مهدرًا، بل وعبئًا على حركة المجتمع نحو التقدم... فهو يمثل طاقة استهلاكية، أو يغذيها، أو يمهد لها سبلها دون أن يقابلها دفعة إنتاجية، أو تنمية ماهرة، أو إبداع فكري جديد.
ومن يرغب التأكد مما ذكر من أن أوقات الفراغ في حياة الكثير من المسلمين أصبحت زمنًا ضائعًا لديهم، ومعوقة لسير المجتمع نحو النهضة الإسلامية الشاملة، عليه أن ينظر إلى البرامج والأنشطة الترفيهية التي يمارسها كثير من أفراد المجتمع المسلم، حيث تحولت هذه البرامج والأنشطة إلى هدر للطاقات وتسطيح للمفاهيم والأفكار، بل وأحيانًا للهدم، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي.
وهذا الواقع يؤكد ضرورة العمل على تصحيح مفهوم وقت الفراغ في تصورات أفراد المسلمين، وإبراز حقيقة مهمة في حياة الفرد المسلم وهي أنه لا يمكن وجود وقت خال في حياة المسلم ليس فيه وظيفة للدنيا أو للآخرة، وحتى إن كانت للدنيا فهي للتزود والتقوي بها على أمور الآخرة.. كما ينبغي ضرورة تبصير المسلمين أنه لا يمكن تصور وجود وقت زائد عن حاجة المسلم، يكون فيه متحررًا من القيود أو التكاليف الشرعية.
من يملأ الفراغ الاستراتيجي العربي ؟
السيد أبو داود
حالة الفراغ الاستراتيجي التي يعيشها العالم العربي لا تخفى على أحد، وكانت أبرز تجلياتها في الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق وإسقاط بغداد عاصمة الخلافة العباسية وحاضرة الحضارة الإسلامية، وحالة الفراغ الاستراتيجي هذه ليست وليدة اللحظة الراهنة ولا هي من تجليات حرب الخليج الثانية وحصار العراق وكذلك حصار ليبيا والسودان وسوريا، إنما هذه الحالة موجودة منذ انهيار الخلافة العثمانية التي ظلت تملأ هذا الفراغ وتدافع عن العالم العربي والإسلامي لفترة زادت عن الخمسة قرون ضد الاستعمار الأوروبي، في بداية مرحلة الضعف هذه ومع الحرب العالمية الأولى ظهر وعد بلفور والنوايا الصهيونية الخبيثة في فلسطين ثم جاء عصر الانتداب وكان معه وقبله الاحتلال البريطاني الفرنسي للدول العربية.
وهكذا انكشف الوطن العربي استراتيجيًا أمام القوى الدولية ذات النفوذ بدءًا من العهد الاستعماري وحتى الآن.
وحتى بعد أن حصلت الدول العربية على استقلالها فقد ظل هذا الفراغ موجودًا، وتمثل في الاستقطاب الأمريكي لبعض الدول العربية والاستقطاب السوفيتي لبعضها الآخر حتى جاءت قارعة أحد 11 سبتمبر 2001 لتتحول أمريكا من التدخل غير المباشر في المنطقة إلى التدخل المباشر والكامل وممارستها العدوان العسكري وإزالة نظام سياسي عربي مستقر.
إن عددًا من المحللين العرب يرجع حالة الفراغ الاستراتيجي العربي هذه إلى الكساح الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يعيشه العرب والذي جعلهم مطمعًا لقوى النفوذ الدولي.
فحالة التخلف السياسي العربي وعدم وجود نظام ديمقراطي أدى إلى تكوين حالة خاصة من الاغتراب السياسي نتيجة للتسلط والدكتاتورية التي مارستها الدولة في عالمنا العربي لعقود طويلة.
ويُرجع البعض حالة التخلف السياسي هذه إلى العصر العباسي الثاني الذي انفصلت في ظله السلطة السياسية عن المجتمع العربي وأخذت ترتبط بالعناصر التركية التي شكلت نخبة عسكرية اضطلعت بالقضية الأمنية فحالت بين المجتمع العربي وبين أداء الدور العسكري"الجهادي"، وفي المقابل تحكمت في سلطته السياسية وموارده الاقتصادية مما قاد إلى نوع من الانفصال بين المدني والعسكري والسياسي والأمني، ترسخ في العصرين المملوكي والعثماني واستمر في ظل السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية على مجتمعاتنا العربية التي لم تنجح في تجاوز ذلك عند تشكيل دولها الوطنية الحديثة.
محاولات أمريكية قديمة:
لقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في المنطقة في خمسينات القرن الماضي بعد حرب السويس بإطلاق الرئيس الأمريكي أيزنهاور استراتيجية"ملء الفراغ"مرة تحت عنوان"حلف الدفاع عن الشرق الأوسط"ومرة أخرى تحت عنوان"حلف بغداد"، ولكن هذه المحاولات فشلت في ظل وجود الاتحاد السوفيتي والقومية العربية وجمال عبد الناصر.
ورغم كل شيء يقال عن القومية العربية فقد ظلت حائط صد وملأت الفراغ الاستراتيجي، ولكنها تلوثت على أيدي مستبدين استغلوها لتحقيق أحلام خاصة.
وإذا كانت القومية العربية بفعل مكنونات الاستبداد داخل قادتها قد فشلت في مواجهة الصهيونية ومحاولات السيطرة الأمريكية فإن التيارات الإسلامية الناهضة تبدي مقاومة عنيفة للأمريكان والصهيونية واضطرها الضغط الأمريكي إلى ممارسة أشد أنواع العنف كطريق وحيد متاح للعمل السياسي.
متغيرات جديدة:
لقد ظهرت متغيرات جديدة بعد حرب الخليج الثانية وزادت وضوحًا بعد احتلال العراق جعلت الأمر مختلفًا ومعَقَّدًا بالنسبة للدول العربية على مختلف الأصعدة الدولية والإقليمية والعربية وتتكامل هذه الظروف فيما بينها لتنشئ واقعًا جديدًا يملأ الفراغ الاستراتيجي بعد ترهُّل وشيخوخة النظام العربي وعدم جدواه.
على الصعيد الدولي كان انهيار الاتحاد السوفيتي خطرًا على العالم العربي وهو الذي كان يناصر إلى درجة كبيرة الحقوق العربية في المحافل الدولية ويتصدى للمخططات الأمريكية ثم حاصرت أمريكا والغرب الشيوعية وأماتتها داخل بلادها وقضت عليها.. بعد ذلك تفرغت أمريكا لأمرين: الأمر الأول: هو حماية النفط وضمان تدفقه بنظام معين وحجم محدد وسعر مناسب. والأمر الثاني: هو الحفاظ على أمن إسرائيل ونسج مشروع جديد باسم"النظام الشرق أوسطي"تكون لإسرائيل فيه القيادة.
وعلى الصعيد الإقليمي نشطت تركيا وطرحت مشروعاتها ذات الطابع الاقتصادي وتحالفت استراتيجيًا مع إسرائيل.
وعلى الصعيد العربي شهدت العلاقات العربية تمزقًا غير مسبوق وغاب التضامن العربي وانهار الرابط القومي بين الدول العربية وانحسر المد القومي وترسخت القطرية وظهرت نزعات قطرية استقلالية وتفاعلت المصالح القطرية مع المصالح العالمية وخاصة الأمريكية وهو ما أفرز حالة الاستعانة بالقوات الأجنبية.
مشاريع ملء الفراغ:
ولهذا ظهرت على الساحة عدة مشاريع لملء هذا الفراغ منها مشروع نظام البحر المتوسط وإعلان دمشق ومشروع الشرق الأوسط الذي تم تطويره مؤخرًا باسم"الشرق الأوسط الكبير".
وبالنسبة لمشروع نظام البحر المتوسط فثمة توجهات فكرية وسياسية وثقافية لتوثيق العلاقات بين الجانبين البحر المتوسط تجسدت في"مؤتمر الأمن والتضامن في البحر المتوسط"واقترح الاتحاد الأوروبي عقد الاجتماع التمهيدي له عام 1995 ويشمل منطقة تجارة حرة لأربعين دولة ويعالج شؤون الأمن المتبادل والهجرة إلى أوروبا والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وينظم شؤون التجارة ومشاريع النفط والغاز، ويدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويختص بشؤون الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وينتظم ذلك كله في ميثاق ومؤسسات.