فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 788

وعليكم بملاحظة أولادكم، الله الله في أولادكم، وتذكروا أنهم أمانة في أعناقكم، ويجب عليكم الوفاء بحق هذه الأمانة حتى تكونوا من الذين حكى الله عنهم فقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:32] ، وتذكروا قوله: (( والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته ) )، واحذروا أن تكونوا من المفرطين، وإذا فرط الرجل في هذه الرعية فهو داخل في قوله: (( ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة ) ). فهل ننتبه ونستيقظ؟! نرجو ذلك ونتمناه، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه.

أهمية الوقت ووجوب المحافظة عليه

صالح بن عبد الله الهذلول

غير محدد

غير محدد

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-أهمية الوقت في الكتاب والسنة. 2- نماذج رائعة في الاهتمام بالوقت وحفظه. 3- الوصية والحث على اغتنام الأوقات. 4- وفقات مع سورة العصر.

الخطبة الأولى

أما بعد: أيها المسلمون، فإنّ الوقت أغلى ما يملكه الإنسان، وهو أسهل شيء يضيع عليه، يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى:"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك".

أيها الإخوة، عرَض القرآن الكريم والسنة المطهّرة قيمة الزمن وأهميته وأوجه الانتفاع به وأثر ذلك، وأنه من عظيم نعم الله التي أنعم بها سبحانه؛ ولهذا أقسم الله بأجزاء منه في مطالع سورٍ عديدة؛ فيقسم بالفجر في قوله: وَالْفَجْرِ وَلَيَالْ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، ويقسِم باللّيل والنهار في قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1، 2] ، ويقسم بالضحى في قوله: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1، 2] . وقَسَمُهُ سبحانه بأجزاء الزمن تلكم كان لفتًا للأنظار نحوَها لعظيم دلالتها عليه، ولجليل ما اشتملت عليه من منافع وآثار. ولفت الأنظار نحو أجزاء الزمن يثمر ويفرز معرفة ويقينًا بأن الله سبحانه الذي شاء خَلقَ الزمان وخَلقَ الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرًا وشرًا يأبي بحكمته أن يسوَّى بينهم، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين، بل الإنسان من حيث هو إنسان إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] ، إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به.

عباد الله، مما جاء في السنة عن أهمية الزمن والوقت حديث معاذ بن جبل الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير والبزار في مسنده، وهو صحيح بشواهده، أن النبي قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ ) ). لن تزول قدما العبد في ذلك الموقف حتى يحاسب عن مدّة أجله فيم صرفه بعامَّة؟ وعمَّا فعل بزمانه وقت شبابه بخاصة؟ وهنا تخصيصٌ بعد تعميم للأهمية والتأكيد، وإلا فإنّ مرحلة الشباب وعُمر الشباب هي مرحلة داخلة ضِمنًا في العمر الذي يسأل عنه العبد، لكن خُصَّ بالذكر لأن الإنسان في مرحلة شبابه يكون لديه أكثر العطاء وأمضاه وآكده وأثمره من طرفَي العمر، حيث ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة.

كما أنّ الإنسان يسأل عن علمه ماذا عمل به؟ هل وظَّفه في مرضاة الله تعالى، في الدعوة إليه وإرشاد الناس وتعليمهم دين الله وتوحيدَه، أو وظّفه فقط للحصول على لقمة العيش والتكسب به وصرف الأنظار إليه؟

هاتان الخصلتان ـ أيها الإخوة ـ من تلكم الخصال الأربع التي لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عنها، هاتان الخصلتان موجودة عند كل أحد، بالإضافة إلى بقية الخصال التي يشارككم فيها غيركم، فهل أنتم واعون لذلك ومدركون له وعاملون لأجله؟!

إن الفرصة أمامك اليوم مفتوحة أيها المسلم ويا أيها الشاب ويا طالب العلم، ولكنها غدًا مقفلة، فالشباب يذهب وينتهي بالكهولة ثم الشيخوخة ثم الهرم، هذا إذا لم تُتخطَّف قبل ذلك، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37] . فاغتنموا أوقاتكم فيما ينفع، فالعمر أيام وساعات، وما مضى منها لا يعود.

ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 277هـ، أن أبا حاتم قال: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك، فقلت له: إن عبد الرحمن ابني لحريص، فقال: ومن أشبه أباه فما ظلم. قال الزَّمَّام وهو أحمد بن علي أحد رجال إسناد الخبر: فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء ـ أي: في طريقه إلى الخلاء ـ وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه. فكانت ثمرة تلك المحافظة النادرة على الزمن والحرص على طلب العلم نِتاجًا علميًا كبيرًا، منه كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات، وكتاب التفسير في عدة مجلدات، وكتاب المسند في خمس وعشرين ألف صفحة.

ويقول ابن عقيل المتوفى سنة 513هـ صاحب كتاب الفنون ذي الثمانمائة مجلد متحدثًا عن نفسه:"إني لا يحلّ لي أن أُضيّع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعه أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا ابن الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين"، ويقول:"وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سَفَّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبر؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرًا على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها". فليت الناس وطلبة العلم خاصة يفقهون مثل هذا الكلام، فكم نمضي ونضيع من الأوقات ونحن جالسون على مائدة الأكل.

وقال القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي تلميذ القاضي الإمام أبي يوسف رحمهم الله تعالى، يقول:"مرض أبو يوسف فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناجٍ". ثم مضى في سؤاله وعرض مسألته العلمية الفقهية.

أيها المسلمون، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:"الوقت منقضٍ بذاته منصرمٌ بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته وعظم فواته واشتدّت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع، وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟! وكيف يُردُّ الأمس في اليوم الجديد؟! وأنىَّ لهم التناوش من مكان بعيد؟!".

فيا حسراتٍ ما إلى ردِّ مثلها…سبيلٌ ولو ردّت لهان التحسّر

هي الشهوات اللاء كانت تَحوّلت…إلَى حسرات حين عزّ التصبُّر

فلو أنها رُدَّت بصبر وقوة…تحوّلن لذّاتٍ وذو اللب يبصر

ثم اعملوا ـ عباد الله ـ أن التسويف عجز وكسل، وما أكثر الذين يأخذون من التسويف شعارًا لهم، يمكنونه من قلوبهم حتى تقطعت آمال وانقطعت آجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت