فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 788

إن السفر ـ يا إخوة الإسلام ـ إذا لم يكن لضرورة كطلب علم أو تجارة أو علاج أو دعوة فهو لا يجوز أبدًا، وخاصة إذا كان السفر لبلاد الكفر؛ وذلك لأن الرسول قال: (( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) )أخرجه أبو داود والترمذي. ثم إن الملاحظ أن غالبية الذين يسافرون إلى الخارج لا يذهبون إلا من أجل الشهوة فقط، وادعاء البعض أنهم إنما يسافرون لرؤية الطبيعة الخلابة وزيارة المتاحف والآثار إنما مبرر ألقاه الشيطان في نفوسهم لتبرير تصرفاتهم المخجلة، والتي لا يقصدون منها إلا قضاء الشهوة فقط، ومن أجل هذه الشهوة يتنازلون عن دينهم وشرفهم ومالهم، ويرتكبون الذنوب بحق أنفسهم، ويدعمون بمالهم أهل الدعارة والفجور، حتى إن مجلة الدعوة السعودية ذكرت أن عدد المسافرين إلى الخارج يصل في العام إلى مليون مسافر. إذا كان معدل الصرف لكل منهم هو 10 آلاف ريال مثلًا مع أن البعض منهم قد يصرف مائة ألف ريال في ليلة واحدة ولا يبالي، فإن معنى ذلك أن السفر يتسبب في ضياع 10 آلاف مليون ريال سنويًا. فهل هذه تصرفات أناس عقلاء؟! لو كان أمثال هؤلاء يفقهون قول النبي: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ) )وذكر منها: (( وعن ماله: من أين أكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ) ). لو كانوا يفقهون هذا الكلام هل كانوا يتصرفون بهذا الشكل؟! ثم أتراهم يعلمون بأن تصرفاتهم أثناء سفرهم قد شوهت الإسلام في نظر العالم، وأنه بسببهم فقد أخذ العالم صورة سيئة عن الإسلام، وأنهم قد أسكتوا الجميع عن تقديم أي اعتذار أو تبرير لتصرفاتهم المخجلة؟!

ذكر أحد الدعاة أنه في إحدى سفرياته للدعوة رأى نفرًا يقيمون في أحد الفنادق، يقول: وخيل إلي من ملامحهم أنهم أجانب، لكني عرفت بعد زمان أن هذا مسلم وهذا نصراني وهذا شيوعي. ويقول: ما يوجد شيء يميز أحدهم عن الآخر، ولو بقوا سنين ما عرفت إلى أين ينتمون. إن الملحد يتعصب لمبدئه ويتحدث عن الألوهية بسوء، ومن هنا عرفت أنه ملحد. وأما النصراني فهو يحترم الأحد ويشرب الخمر ويرقص في عيد الميلاد، وبذلك عرفت أنه نصراني. أما المسلم المزعوم فهو كالدابة المستأجرة؛ تارة مع هذا وتارة مع هذا، ولا يدري عن أوامر دينه شيئًا، وحاله كقوله: (( مثل المنافقين كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع ) )أخرجه مسلم. فهل يحسب هذا المخلوق من المسلمين؟!

إخوة الإسلام، إن هذا وأمثاله هم الذين شوّهوا الإسلام في نظر العالم، لماذا؟ لأن علاقتهم بالإسلام علاقة مذبذبة؛ فهم قد يصلون هنا ولكنهم في الخارج يتركون الصلاة، وقد يحجّبون نساءهم هنا ولكنهم في الخارج بلا حجاب وبلا أدب وبلا حياء، وكما قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] .

إن على هؤلاء أن يعلموا أنهم لن يفلتوا من عقاب الله إلا إذا تابوا وأصلحوا؛ لهذا نقول لهم: يا من تضيع دينك ووقتك ومالك في السفر وارتكاب المحرمات، ستسأل عن كل ريال صرفته. أولادك الذين تركتهم سيتعلّقون برقبتك يوم القيامة، ويطلبون من الله أن ينتقم لهم منك. زوجتك الشريفة الطاهرة التي تركتها هنا وذهبت هناك لتجري وراء البغايا والمومسات، زوجتك هذه ستأخذ حقها منك يوم القيامة، وسترى ماذا ستقول لها. وتذكَّر أن لذة المعصية قد ذهبت ولكن بقي عقابها، وإن كنت نسيت هذا فالله يحصى كل شيء كما قال تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] .

عبد الله، تذكّر أنك مسؤول عمّن لاقيته وتعاملتَ معه من غير المسلمين، العاملون في الفندق الذي تسكن فيه، المومس التي يحضرها إليك، حتى سائق التاكسي الذي ينتقل بك بين البارات والملاهي، كل هؤلاء سيتعلقون بك يوم القيامة ويقولون: يا رب، هذا كان يدّعي الإسلام ولكن ما عرفناه إلاّ سكيرا وعربيدا وزانيا وكاذبا، فظننا أن هذا الإسلام. وسيقولون: هذا وأمثاله هم الذين دخلنا بسببهم النار، ولن نرضى حتى يدخلوا معنا. ووقتها كيف سيكون جوابك؟! وكيف سترد عليهم؟! وماذا ستقول لرب العزة والجلال بعد أن قضيت حياتك في ارتكاب المحرمات والمعاصي؟! ماذا ستقول؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] .

اللهم إنّا نعوذ بك من حال أهل النار أو نكون منهم.

الخطبة الثانية

أيها المسلمون، قد يقول قائل: أنت ذكرتَ لنا المشاكل، ولكن ماذا عن الحلول؟ ماذا عن الحلّ؟

فنقول: إن الإسلام دين واقعي، وهو لا يعامل الناس على أنهم ملائكة، لكنه يعاملهم كبشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ولكنه في نفس الوقت وضح لهم أهمية الانتفاع بالوقت، وأتاح لهم مجالات عديدة ليستفيدوا من هذا الوقت في دنياهم وأخراهم، وإذا أردنا الدخول في التفاصيل فنقول:

أولًا: بالنسبة للأولاد المفروض أن يشتغلوا بالأعمال المفيدة، وأن يتعودوا على اكتساب المال. في الخارج مثلًا يدرّبون الطلبة في الصيف على أعمال كثيرة تصِل إلى بيع الصحف. وللعلم فإن نسبة كبيرة من ألعاب الأطفال القادمة من جنوب شرق آسيا هي مصنوعة بأيدي أطفال يستغلون في أوقات فراغهم، ولا يرون في ذلك عيبًا كما نراه نحن الآن.

ثانيًا: على الأب أن يفكر، فإذا كان ولده قد أخفق في الامتحان وعليه إعادة فأول ما يجب عليه أن يجعله يراجع دروسه ويستعدّ لامتحانه، وإذا حرم العطلة فهذا ذنبه وعليه أن يتحمل مسؤولية خطئه.

ثالثًا: فإذا كان ناحجًا فإن عليه أن يعلمه البيع والشراء إن كان لديه دكان، أو يعمل له بسطة صغيرة، أو يحضر له بعض الألعاب داخل المنزل إذا كان فيه فناء، وإذا عدم الفناء فعلى الأب أن يخصص غرفة لذلك فهذا مهم جدا. وإذا استطاع أن يحضر له الجهاز المسمى بالكمبيوتر؛ لأنه جهاز المستقبل وسيستخدم في كل شيء، وفيه فوائد للأولاد والبنات.

رابعًا: فإذا لم يتمكن فعلى الأب أن يسجل أولاده بأحد المراكز الصيفية المنتشرة في أنحاء المملكة، وهي موضوعة ـ والحمد لله ـ تحت إشراف مجموعة من خيرة الرجال، فيتعلم فيها الأولاد كل شيء مفيد، فإذا كان لديهم هواية في النجارة أو الكهرباء أو الرسم أو غير ذلك فسيتمكنون من تنمية هواياتهم في هذه المراكز. أيضا فيها الأنشطة الثقافية من دروس ومحاضرات ومواعظ، وفيها الأنشطة الرياضية، وفيها الرحلات والمعسكرات.

خامسًا: ويتبقى للوالد أن يسجّل الولد في جمعيات تحفيظ القرآن طوال أيام السنة، فهذه من أفضل الأمور التي تعين على إصلاح الأولاد واستقامتهم، مصداقًا لقوله: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) )أخرجه البخاري.

عباد الله، هذه بعض حلول يمكننا الاستفادة منها في قضاء الوقت، وأرجو أن تكون واضحة لديكم جميعا. ولا يفوتني أن أكرر عليكم أن تحفظوا أوقاتكم عامة وعطلتكم هذه خاصة، وإذا أردتم السفر فيمكن لكم أن تسافروا داخل المملكة، خاصة وأن الكثير من الناس لم يسبق لهم زيارة الكثير من المدن والقرى في المملكة، بينما يجولون بلاد الكفر طولا وعرضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت