واغتنموا فرصة الفراغ فإنها نعمة يغفل عنها كثير من الناس ويجهلون قدرها ولا يقومون بحق شكرها، فعن ابن عباس عن النبي: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ).
وسارعوا إلى الخيرات ولا تنهضوا إليها في تثاقل وتكاسل، فقد أمر الله تعالى باستباق الخيرات قبل أن تشغل عنها الشواغل أو تعوق العوائق، فقال: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا [البقرة:148] ، ولا تؤجّلوا الخير والطاعة إلى سنّ الكبر، فقد كان يأمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول العوائق والفتن فيقول فيما روِي عنه: (( هل تنتظرون إلا غنى مطغِيا، أو فقرًا منسيا، أو مرضا مفسِدا، أو هرما مفنّدا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) ).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله، إن الله غفور رحيم.
أهمية الوقت
صالح الجبري
الطائف
جامع الحمودي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-أهمية الوقت. 2- وصية للذين يقتلون أوقاتهم. 3- مسؤولية الآباء في رعاية الأبناء. 4- حكم السفر إلى بلاد الكفار. 5- مضار السفر لبلاد الكفار. 6- اقتراحات تفيد في اغتنام الوقت في العطلة الصيفية.
الخطبة الأولى
عباد الله، إن الوقت هو الحياة، وبما أنه هو الحياة فمعرفة أهميته يعنى معرفة قيمة الحياة، ومن لم يعرف أهمية الوقت عاش ميتًا وأن كان يتنفس على وجه الأرض، وهذا سر قول المجرمين عند سؤالهم: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112، 113] . والملاحظ أن إجابتهم هنا توحي بأنهم لم يعيشوا إلا يوما أو بعض يوم، ولكن لأنهم لم يعرفوا أهمية وقتهم ولم يغتنموه فيما ينفع ويفيد فلذلك لم يبارك الله في حياتهم رغم أنهم عاشوا في حقيقة الأمر أربعين أو ستين أو ثمانين أو أكثر أو أقل.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أهمية الوقت في القرآن في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62] ، أي: جعل الليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل، فمن فاته عمل في أحدهما حاول أن يتداركه في الوقت الأخر.
ولأهمية الوقت أقسم الله تعالى بأجزاء عديدة منه مثل الليل والنهار، فقال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1، 2] ، وقال: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، وقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1، 2] . ومن المعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فذلك ليلفت أنظار الناس إليه وإلى أهميته.
أما في السنة فقد بين أهمية الوقت عندما قال لرجل وهو يعظه: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ) )رواه أحمد والنسائي عن عمرو بن ميمون، وهو في صحيح الجامع.
أيها المسلمون، الوقت سريع الانقضاء، فهو يمر مر السحاب، وما مضى فإنه لا يعود أبدًا، وهذا ما عبر عنه الحسن البصري بقوله:"ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة"؛ لهذا كان واجبًا على كل مسلم أن يحافظ على وقته، وأن يحرص على الاستفادة منه فيما ينفعه في دنياه وأخراه.
وقد كان سلفنا الصالح أحرص ما يكونون على أوقاتهم لمعرفتهم بأهميتها، قال ابن مسعود: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلى ولم يزد فيه عملي) ، وقال أحد السلف:"من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد ورثه أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه".
هكذا كان حرصهم على الوقت، وليس كما نحن الآن من إضاعة للأوقات إلى حد التبذير والإسراف، وحتى صرنا نرى الكثير من الناس رجالا أو نساء يقضون الساعات الطويلة في الليل والنهار في اللهو واللعب حرامًا كان أو حلالًا، غير مبالين، لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة وعن واجبات الدين والدنيا، ولو سألتهم عن حالهم قالوا لك سريعًا: نريد أن نقتل الوقت. وما درى هؤلاء أن من قتل وقته فقد قتل في الحقيقة نفسه، ولكن الكثير في غفلة وشرود.
عباد الله، ونستطيع أن نتبين هذا من أوضاع الناس خاصة في هذه الأيام التي بدأت فيها العطلة الصيفية، فالكثير يقضى العطلة في اللهو واللعب وترك الواجبات وفعل المحرمات المنكرات، وخاصة الشباب والأولاد؛ فما أن تبدأ العطلة حتى تراهم في كل وادي يهيمون، وبدون أي مراقبة أو محاسبة. والذي يستغرب له هو هذه البلادة واللامبالاة من جانب الآباء والأمهات، فلا ندرى ما يفعل تجاه أبنائهم لما يرونهم طوال اليوم في الشوارع والأزقة، يسمعونهم وهم يسبون الدين ويلعنون الآباء والأمهات والعورات فلا يتحركون! يعرفون أو لا يعرفون بأنهم لا يدخلون منازلهم إلا في أنصاف الليالي فلا يهتمون، يرونهم نائمين غافلين عن الصلاة والعبادة فلا يكترثون، بل لا يعلمون إلى أين يذهبون ومن يصاحبون ومن يصادقون، وإذا تنبهوا لهم فإنهم يتسلطون عليهم في منعهم من اللعب والانطلاق، فيأمرون بأن يلزموا المنازل ويتركونهم للأم المسكينة، فهم حولها طوال النهار يخربون ويكسرون، فتضطر الأم مع غضبها عليهم إلى دفعهم إلى الشارع، فيجتمعون فيه مع أولاد الجيران، فيصيحون ويتضاربون ويزعجون المرضى ويوقظون النائم، ثم لا يعودون إلى المنزل إلا بثياب قذرة ومقطعة، وربما عاد أحدهم إلى منزله مجروحا من حجر طائر أو مكسورا من سيارة مسرعة أو ضحية لتفحيط شرير من الأشرار، ثم إذا حدثت الكارثة ووقع الشاب وانحرف من كثرة وجوده بالشارع واحتكاكه مع الأشرار ترى الوالد والوالدة يصيحون: نحن لم نقصر في حقه، نحن وفرنا له الغذاء والكساء وكل متطلبات الحياة، لقد أفسده أولاد فلان. أولاد فلان ـ والله ـ ما أفسده إلا أنتم، هل تظنون أنكم إذا وفرتم لهم بعض الملابس والمأكولات والمشروبات، هل تظنون أنكم قمتم بحقهم؟! ماذا قدمتم لعقولهم ولأرواحهم؟! هل أمرتموهم بمعروف؟! هل نهيتموهم عن منكر؟! هل علمتوهم صلاة الجماعة وفضائل الأخلاق؟! أين أنتم من حديث الرسول: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ) )أخرجه البخاري؟!
لكن كثيرا من الآباء والأمهات في هذا الزمن لا يعرفون معنى التربية الحقيقية للأولاد ويجهلونها، لذا كثرت الانحرافات بين الأولاد، وصار أكثرهم بين ضائع وجاهل، ولن يصلح حالهم إلا إذا عرف الآباء المسؤولية وقاموا بدورهم كما أمرهم الله.
وهناك من يستغل فرصة العطلة للسفر للخارج، وهذه من أخطر الأمور التي تواجه الناس اليوم، وكم حذر المصلحون وكم صرخوا، ولكن لم يستجب إلا القليل.