فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 788

وقال الجُنيد لرجل وهو يَعِظهُ: (جِماعُ الخيرِ في ثلاثةِ أشياء: إن لم تُمضي نهاركَ بما هو لكَ فلا تُمضِهِ بما هُو عليك, وإن لم تصحبِ الأخيارَ فلا تصحبِ الأشرار, وإن لم تُنفقَ مالك في ما للهِ فيه رضا فلا تنفقهُ في ما لله فيه سخط) ، وهذا أقلُّ القليل, وإلاَّ فصاحبُ العزمِ لا يرضى بالقليل، وبابُ المُسابقةِ مفتوح .

قال حمَّادُ بن سلمة: ما جِئنا إلى (سليمان التَّيْمِي) في ساعةٍ يُطاعُ اللهُ فيها إلاَّ وجدناهُ مُطيعًا, إن كان في ساعةِ صلاةٍ وجدناهُ مُصليًا, وإن لم تكن ساعة صلاةٍ وجدناهُ إمَّا متوضِّأً أو عائدًا مريضًا, أو مشيِّعًا لجنازة, أو قاعدًا في المسجد، قال: (فكُنَّا نرى أنَّهُ لا يُحسنُ أن يعصي الله عزَّ وجل) . [الحلية 2/82] .

حافظُوا على حُدودِ الله, وأدُّوا الفرائضَ مع الجماعة في المساجد, واحذروا السهرَ على ما حرَّمَ الله, ومُجالسة الأشرار, فعمَّا قليلٍ يندمُ المفرِّطون, وينتبهَ الغافلون, (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ).

الإجازة الصيفية

يتهيأ كثير من الناس - في هذه الأيام - إلى أنواعٍ من الأسفار التي تنقلهم من مكان إلى مكان، ومن بلدٍ إلى بلد ، ويتأمل الإنسان وهو يشاهد أحوال الناس في ذلك قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) (سورة لقمان:34) .

والشاهد قولهُ تعالى: (( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ).

كم رأينا من إنسان ساقتهُ المقادير إلى أماكن - ما جاءها طول عمره، فكانت منيتهُ فيها.

وقد ورد في المسند وسنن الترمذي أنَّ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا أراد الله قبض روح عبد بأرضٍ جعل له فيها - أو قال: بها حاجة ) ) [1] .

وقال أعشى همدان:

لا تأسين على شيء فكل فتى إلى منيته سيّار في عَنَقِ .

وكلُّ من ظنِّ أنَّ الموت يخطئه معللٌ بأعاليلٍ من الحَمَقِ

بأيَّما بلدةٍ تُقْدر منيتهُ إن لا يُسيّرُ إليها طائعًا يُسقِ .

وباب الموت سيلجُه الجميع ، من سافر ولم يسافر: (( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) ) (سورة النساء: 78) . فهو أمرٌ قد استوى فيه الجميع .

لكنّ هُناك أمرٌ افترق فيه الناسُ وتفارقوا: ألا وهو التأهبُ والاستعداد لذلك الرحيل، ولتلك السفرة النهائية في هذه الدنيا، ليبدأ رحلةً أخرى أبدية يوم البعث النشور، والوقوف بين يدي الله للحساب والجزاء.

فيا من تتهيأ للأسفار ، هل تذكرت ذلك السفر الطويل ؟ وهل تأهبت لهُ أهبة مناسبة؟

إنَّ المؤمن الحق هو الذي استقصر الطويل من الآمال الدنيوية، وتخيَّل في كل وقتٍ أنَّ المنيةَ تعاصفهُ وتفاجئه، فاشتد حذرهُ من هجومها، مخافة أن تحل به عقوبة الله ، ويُحال بينهُ وبين الاستعتاب والتأهبِ للقاء، فيلقى ربه قبل الطهر التام والتوبة النصوح ، فلا يُؤذن له بالدخول بغير طهارة، كما أنَّه لم يؤذن في دار التكليف بالدخول عليه للصلاة والعبادة لله تعالى بغير طهارة .

إنَّ أوقات الصلاة نظير وقت الموافاة، ومثله الدخول إلى بيت الله الحرام - حاجًا أو معتمرًا - لا بدّ له من استقبال بيته المحرم، ومن طهارة بدنه وثيابه، وإخلاص نيته لله تعالى، وكذا القدوم على الله.

فإذا تأهب العبد قبل الموت ، جاءه الموت وهو متأهب، وإذا فرّط في التأهب، خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب، إذ هجوم الموافاة مضيّق لا يقبل التوسعة، فلا يُمكُّن العبد من التطهر والتأهب والتوبة عند هجوم الموت، بل يُقالُ له: هيهات، فات ما فات، وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات.

تأمَّلُوا أحوالنا وأحوال الناس، وأهدافهم في هذه الإجازة، والأسباب التي تدفعهم إلى هذه الأسفار:

* من الناس من صار هدفه المتعة الحرام، يبحث عنها في أيِّ مكان، في المشرق أو المغرب، وهناك تتفننُ أوكار الفساد والانحلال في جذب هؤلاء السائحين، ولا تسل عمَّا يجري هناك، فتلك قصة طويلة - نسأل الله العافية -.

* ودون هؤلاء أناس ليس لهم هدف إلاَّ السياحة والتجول في بلاد الكفر والعهر، فيذهب - وأحيانًا بأسرته - ليقضي الأوقات، وينتقل من مكانٍ إلى مكان ، وكم يواجهُ من أنواع من المنكرات يمر بها أو يوقعها، ويرجع وترجع الأسرة معه وقد تلقت دروسًا عملية في الانحلال وذهاب الغيرة، والتجرؤ على المحارم، والوقوع فيما يغضب الكبير المتعال.

* وهناك أناس- محافظون - ولديهم غيرة على دينهم وأعراضهم، فبحثوا عن أنواع من السياحةِ لا يترتب عليها فساد ، فسافروا وأزجوا أوقاتهم ، وهؤلاء مشكورون على غيرتهم وحفاظهم على أنفسهم وأسرهم، ولكن كُنَّا نتمنى أن يُحددوا هدفًا مع هذه السياحة، يكون في ميزان أعمالهم يوم يلقوا ربهم تبارك وتعالى .

* وهناك - قلة - عرفوا قيمة الوقت، وعظم المسؤولية، وحقارة الدنيا، وعظمةِ ما يؤملُ عند الله تعالى، وقارنُوا بين الدنيا والآخرة، تأمَّلُوا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( ما لي وللدنيا ، إنّما أنا كراكب في ظل شجرة ثم راح وتركها ) ) [2]

وقوله- صلى الله عليه وسلم-: (( ما الدنيا في الآخرة إلاَّ كما يدخل أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع ؟ ) ) [3]

وقول الإمام الزاهد والخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ( لو أنَّ الدنيا من أوَّلها إلى آخرها، أُوتِيها رجل، جاء الموت، لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسُره، ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء ) .

نظر الواحدُ منهم بعين البصيرة، فخاطبَ نفسه خطاب صدقٍ وصراحة، وقال: كيف يليقُ بصحيح العقل والمعرفة أن يقطعهُ أمل حقير من آمال الدنيا عن نعيم لا يزول ولا يضمحل ؟ !! فضلًا عن أن يقطعهُ عن طلبٍ من نسبة هذا النعيم الدائم، إلى نعيم معرفته ومحبته، والأنس به والفرح بقربه، كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة.

قال الله تعالى: (( وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (سورة التوبة: 72) .

فيسيرُ رضوان الله - ولا يقال له يسير - أكبر من الجناب وما فيها، وفي حديث الرؤية، (( فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إلي وجهه الكريم ) ) [4]

فلما تأمل هؤلاء هذه الحقائق: اختلفت أهدافهم وموازينهم عن غيرهم ، فشمَّرُوا عن ساعد الجد ، وعزموا على أن تكون أوقاتهم كلها - ومنها هذه الإجازات - في رضوان الله تعالى، وما حُرموا أثناء ذلك من متعةِ سفر، وصلةِ رحم ، ورفقة أنس، وترويحٍ عن الأولاد، .. إلخ، هذه أحوال الناس، فمن أيِّهم نكون ؟

لا بدَّ أن نعتبر، وأن نُقارنَ بين الدنيا والآخرة، فنعملَ لكلٍ بما يستحقه.

منطلقاتٍ عملية حول الإجازة:

-الحفاظ على الأسرة: لأنَّ مجال الفراغ والتَّفلت فيها كبير جدًا .

-ترتيب الأولويات:

-فهناك صلة الأرحام . ( وخاصة الوالدين ) .

-والدعوة إلى الله تعالى.

-وطلب العلم .

-والاستفادة من الإجازة استفادت أخرى، من مهارات، أو تجارة، أو غيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت