ما استيقظ عليه أهل السنة أمام مشهد سقوط بغداد وبعضهم لم يستيقظ حتى هذه اللحظة أن الحدث الكبير ألغى عملتهم الأيديولوجية في سوق صرف العملات، فلا العراق عاد عربيًا، ولا وحدويًا، ولا عراقًا موحدًا بالضروة. بضاعة خرج موسمها.
أمر آخر استيقظ عليه أهل السنَّة، وهو أن خصمهم وضعهم في خانة واحدة، إسلاميهم ووطنيهم، دون اعتبار لاختلافاتهم، وذبحهم على مذبح واحد.
وإذا كان الأمران الأول والثاني خارجين عن الإرادة؛ فإن الأمر الأخير هو إيضاح ميداني بالألوان لبيئة العمل السياسي الموحد لأطياف أهل السنة ولو إلى حين، وإذا كان الخوف من الغرق جدير بأن يحوِّل ركاب السفينة الجانحة إلى فريق إنقاذ واحد، فإن الفناء أمام الآلة العسكرية والسياسية الأمريكية أجدر به أن يحقق ذلك.
لقد كانت الشخصية الوطنية وسلامة الوطن والانتماء للمحيط العربي شغل الفرد السني الشاغل، لكن الحصار الداخلي الخانق الذي يواجهه أهل السنة اليوم، والحرب الأهلية غير المعلنة التي تشن ضدهم، واشتراك ميليشيات الفئات الأخرى مع جيش الاحتلال في دك مدنهم، والدور الإيراني المكشوف، ومجيء الكوريين والبولنديين والمجريين واليابانيين من وراء الحدود، هذا السيناريو بمجمله لا يبقي لمعاني المواطنة الشيء الكثير، ويختزل معنى الوطن إلى مساحة من اليابسة للعيش، ويدفع الخيارات الأيديولوجية للمحاصرين إلى ما وراء الحدود من جديد باتجاه عمقهم الإقليمي التاريخي.
ما ينتظر العراق علمه عند الله تعالى؛ فقد يطول الاحتلال وقد يقصر، ولكن الاحتراب الثقافي الداخلي يبقى بوابة المحتل متى ما شاء الدخول، وطوق النجاة إذا ما اضطر إلى الخروج يومًا، وحينها سيدخل في صفقة مع من يراه أخف الضررين في طرفي النزاع الثقافي، حتى لو كان ذلك الطرف فصيلًا في المقاومة، وسيتحول ذلك الفصيل إلى حكومة وطنية، وينقلب على رفيق الأمس، وحينها نكون قد عدنا إلى حيث بدأنا في القرن الماضي حينما قرر الإنكليز والفرنسيون «الخروج» ومنح «الاستقلال» .
قضيتنا نحن أهل السنة ـ وبخلاف غيرنا ـ هي أننا إما أن نكون أو لا نكون. شخصيتنا سبيكة ثنائية المعدن، العمل بأحدهما ينتج ثقافة عرجاء جربها جيلان على نحو ثمانية عقود فوصلوا بها إلى درك التخلف العالمي.
مدرسة أهل السنة اليوم ـ وكما في أية مدرسة سياسية ـ أمام مشكلة أطياف سياسية، هذه الأطياف منها ما يقف عند النص (في هذه الحالة بشقيه: الرسالة السماوية ومكارم الأخلاق العربية) ، وهو ما يقابل النظرية أو الأيديولوجية عند الأحزاب المعاصرة، وهذا طيف أقرب للمرجعية الفكرية. ومنها أحزاب سياسية ميدانية تلتقي في برامجها مع النظرية في مساحات وتبتعد عنها في مساحات أخرى. ونوع ثالث يصطدم مع النص ولا ينتسب إلى مدرسته في الواقع إلا انتسابًا «بيولوجيًا» .
لا يختلف المسلمون عبر تاريخهم أن السياسة هي فن الممكن، وفي كثير من الأحيان هي فن الإنقاذ. وإذا كان ركاب السفينة الجانحة يدركون تمامًا أنهم أمام وفاق قسري مدته تعادل بُعدَهم عن اليابسة على الأقل، وإلا فالغرق هو خيارهم الآخر والوحيد؛ فإن الذين يذبحون اليوم على مذبح المارينز أمام وفاق قسري إلى حين انجلاء هذه الغمة، وإلا فالفناء السياسي هو خيارهم الآخر، إلا من أراد منهم الغرق الاختياري في المستنقع الأمريكي.
إذا كان الاقتباس السياسي في حكومة عمر بن الخطاب ـ - رضي الله عنه - ـ هو أول صور المرونة التي مارستها دولة الحضارة العربية الإسلامية الفتية؛ فإن في العملية السياسية في الغرب اليوم طرفًا ثالثًا في معادلة صنع القرار يتوسط مؤسستي النظرية والتنفيذ، وقد قطع هذا الفن أشواطًا بعيدة تحت مسمى معاهد الفكر التي تكون ظهيرًا ـ ولكن مستقلًا ـ للمؤسسات السياسية، التي تستفيد غير ملزَمة من عصارة بحوثها ودراساتها في رسم سياستها واستقراء الواقع من حولها. وتنتسب هذه المعاهد إلى مدارس أيديولوجية، وتتخصص في إثراء نظرياتها لتكون هي العمق الفكري للمؤسسة التفيذية، وهمزة الوصل بين شخصيتي المنظّر والمنفّذ.
وتلعب هذه المعاهد أدوارًا مهمة في تحديد مواقع نقطة الوسط في الطيف السياسي؛ فهي ـ أي المعاهد ـ أقرب للمثالية منها إلى الواقع، وهو ما يحافظ على قرب أحزاب الوسط من النظرية، ويضع حدًا لحالة التفلت الأيديولوجي. كما أن لهذه المعاهد المستقلة المقدرة على إبداء آراء ونشر دراسات يتعذر على المؤسسة التنفيذية القيام بها.
نحن أكثر حاجة من الغرب إلى معاهد فكر تعمِّق مفاهيم حضارتنا، وتؤطر أيديولوجيتنا، وترمم العلاقة بين طرفي معادلتنا، وتعيد صياغة قاموسنا السياسي بلغة سهلة يفهمها رجل الشارع.
الأزمات محطات مهمة في تاريخ الشعوب لا تفوّت، فيها تُراجَع القناعات وتُصنَع المعجزات، وفيها يعاد رسم الشخصية الجماعية للمجتمع، وهي فرص نادرة الحدوث.
الخطب ليس يسيرًا، ولكن الأمم إما متبوئة لقمة الرفاهية راكنة إلى الدعة في فترات الاستقرار ومتراخية في مضمار البناء الفكري، وإما متبوئة لقمم الفكر في أوقات الضيق ومتراجعة عن رغد العيش، والأمل في الله ثم في سنن المجتمعات هو أن تكون الأخيرة من نصيب أجيال اليوم.
(*) كاتب من العراق مقيم في بريطانيا.
صفر 1426هـ * مارس /أبريل 2005م
فلوجة العز في زمن الذل
د. يوسف بن صالح الصغير
حتى كتابة هذه الكلمات فإن الاشتباكات ما تزال مستمرة في الفلوجة التي إن كانت القوات الأمريكية نجحت في تدمير أجزاء كبيرة منها؛ فالأحياء مدمرة بنسبة تتراوح بين 30 و 70 بالمئة؛ فإنها لم تُفلح في السيطرة عليها.
ويبدو أن المقاومة تصر على أن تجعل من الفلوجة جرحًا مفتوحًا في خاصرة القوات الأمريكية وحلفائها في خطة استنزاف طويلة، يمنع الكبرياء والمكابرة لدى الأمريكان من الانسحاب والخروج من الفخ الذي وقعوا فيه للمرة الثانية، واضطروا للاستعانة بالقوات البريطانية التي منيت بخسائر كبيرة، تحرص الحكومة على التعتيم عليها. وأرى هنا أن أهل الفلوجة يصدق عليهم توجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو؛ فإذا لقيتموه فاثبتوا» . نعم! لقد ابتلي أهل الفلوجة وظلموا، وحاول المحتل الكافر إذلالهم فصبروا وانتصروا لدينهم، فحق لهم أن يُنصروا بإذنه - تعالى -.
ويبدو من تسلسل الأحداث أن مدينة الفلوجة كانت مستهدفة منذ بداية الحرب؛ حيث إن خضوعها والسيطرة عليها يعني السيطرة على كافة مناطق أهل السنة في العراق؛ حيث إن هذه المدينة بنيت في مكان مدينة الأنبار القديمة، وارتبط اسمها بالمقاومة والصمود؛ ففي ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني كان للفلوجة دور ريادي، وتمكن أهلها من قتل قائد القوات البريطانية (لجمن) ، وقد مارس فيها الإنجليز من أعمال القتل والتدمير والسلب ما أثبته الشاعر العراقي (معروف الرصافي) في قصيدة منها قوله:
هو خطب أبكى العراقين *** والشام وركن البنية المحجوجهْ
حلها جيشكم يريد انتقامًا *** وهو مغر بالساكنين عُلوجهْ