ولِمَا عرف به أهل المدينة من التدين والمحافظة وحب الخير والنخوة فقد اصطدموا مع نظام البعث الذي اضطهد الفلوجة وقتل خيرة علمائها، وأغلق جلّ مدارسها الشرعية، ولكن في النهاية انتهج صدام حسين معهم سياسة خاصة تقوم على المجاملة ومحاولات الإرضاء، وأثناء تقدم القوات الأمريكية إلى بغداد، وبينما كان العراقيون يعيشون صدمة السقوط السريع لنظام البعث، ووقوع البلد تحت الاحتلال الأمريكي كان للفلوجة موقف ملفت: يتلخص في أنه تم الاتصال بالقوات الأمريكية وإبلاغهم أن المدينة لن تقاوم بشرط عدم دخول القوات إليها، وأنهم سيقومون بضمان الأمن فيها، وهذا ما تم حتى أسكر الأمريكان دخولُهم السهل والسريع لبغداد، فأرسلوا قوات أمريكية مدعومة بشرطة عراقية معينة من قِبَل الاحتلال، وكانت ممارسات هذه القوات سببًا رئيسًا في تفجر الأوضاع؛ فالشرطة قامت بالتعدي على السكان، وكان رئيس الشرطة يتحدى أهل الفلوجة، ويتنقص منهم؛ مما أدى إلى قيام عدد كبير من المسلحين بمهاجمة مركز الشرطة الرئيس، وطرد من بقي حيًا من رجال الشرطة. أما القوات الأمريكية فقد احتلت المدارس داخل الأحياء، وكان احتكاك الجنود بالنساء، بل حتى مراقبة البيوت بالمناظير المقربة مدعاة لسخط السكان الذين انتهزوا فرصة قرب بدء الدراسة، فقاموا بمظاهرات سلمية تطالب بإخلاء المدارس، وكانت ردة الفعل الأمريكية هي إطلاق النار على العزل، ومقتل حوالي سبعة عشر متظاهرًا؛ ومن هنا بدأت عمليات إزعاج مسلحة حتى اضطرت القوات الأمريكية إلى الانسحاب والتمركز حول الفلوجة، ومع استمرار المواجهات ووقوع مجموعة من ضباط المخابرات الأمريكية في كمين، ونشر صور التنكيل بالجثث مما يدل على الكره الشديد للاحتلال، انكشف زيف الصورة الوردية المرسومة في أمريكا والتي تظهر الجندي الأمريكي يبتسم وهو يلعب الكرة مع الفتيان، أو يقوم بتوزيع الأدوات المدرسية والحلوى على أطفال العراق!
لقد كانت ردة الفعل الأمريكية المتشنجة بسبب نشر الصور أكثر منها بسبب حادثة يحصل مثلها يوميًا، وكان الطلب الأمريكي تسليم جميع من ظهرت صورهم بالفلم وتسليم الجناة، ولم يتم تنفيذ الطلب لاستحالة الاستجابة له في مجتمع قبلي متماسك؛ ولذا قامت القوات الأمريكية بهجوم انتقامي وحشي قتل فيه آلاف الأشخاص في غارات جوية عنيفة، ودفن الناس قتلاهم في حدائق البيوت وملعب كرة القدم، وكان وجود وسائل الإعلام العربية في المدينة ونقلها وقائع الجريمة الأمريكية عاملًا في إحراج قوات الاحتلال وفضحها، وقد قامت القوات البرية بالدخول للمدينة، وكانت النتيجة أن القوات الأمريكية داخل الفلوجة تم حصارها وقطع الإمدادات عنها. أما القوات التي تحاصر الفلوجة فقد ضيق عليها الخناق، وكانت قوافل الإمدادات تتعرض لهجمات مستمرة؛ مما اضطر قوات الاحتلال لطلب الهدنة، وقامت بتوسيط (الحزب الإسلامي) ، وتم الاتفاق على السماح للقوات الأمريكية بالانسحاب ودخول قوات عراقية مكونة من أهل الفلوجة وما حولها، وتحمل العلم العراقي القديم.
لقد دفعت قوات الاحتلال ثمن استهتارها بقدرات أهل الفلوجة؛ ومن الطبعي أن السيطرة من جديد على الفلوجة أصبحت قضية كرامة للقيادة الأمريكية، وكانت الخطة الجديدة تقوم على حشد قوات كبيرة مدعومة بقوات عراقية؛ مع الحرص على منع جميع وسائل الإعلام الخارجة عن سيطرتهم من تغطية ما يجري.
وبقدر حرص الاحتلال على الانتقام كان حرص أهل الفلوجة على تجنب حدوث معركة جديدة يعلمون أن مدينتهم ستكون ضحية للهمجية والجبروت الأمريكي، وقام أهل الفلوجة بتشكيل وفد للتفاوض، ولكنهم صُدموا بالحقيقة المرة؛ فلم تكن المفاوضات إلا لتمديد الوقت حتى تنتهي الانتخابات الأمريكية، وكانت المطالب العلنية على لسان (علاوي) هي تسليم أبو مصعب الزرقاوي غير الموجود بالمدينة؛ بينما لم يتطرق لهذا الأمر مطلقًا أثناء التفاوض، وخلال ذلك كانت الطائرات الأمريكيه تُغِير يوميًا على ما يُعتقد أنه أماكن يوجد فيها (الزرقاوي) أو معاونوه. وتستمر الغارات، ويستمر انتشال جثث النساء والأطفال؛ عفوًا! إنها وسيلة مشروعة أمريكيًا لإضعاف معنويات الخصم، وليحس بالعجز إزاء التفوق الأمريكي الكاسح.
ولنا أن نتساءل: ما هي الخيارات المطروحة أمام أهل الفلوجة؟
* الخيارات المطروحة:
1 -فتح المدينة أمام الغزاة وحلفائهم:
إن هذا الخيار تكتنفه كثير من المخاطر ليس أقلّها مدى حجم الخسائر الناجمة عن عمليات التفتيش، وما هي نسبة شباب ورجال المدينة الذين سيتم اعتقالهم؟ وهل لديهم استعداد لتحمل التعذيب والإذلال والخدمات الموجودة في أبو غريب؟
2 -فتح المدينة وانسحاب المقاتلين:
إن هذا يبدو أسلم من السابق، ولكن هناك احتمال الانتقام من أسر المقاتلين والتنكيل بهم. وبالطبع هذا الخيار يقتضي توفير أماكن آمنة للمقاتلين مع احتمال انهيار معنويات الكثير منهم.
3 -خروج أهالي الفلوجة من المدينة، وبقاء مفارز مقاومة؛ لإبداء مقاومة رمزية، ثم الانسحاب لتفويت فرصة تدمير المدينة: وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع معنويات جيش الاحتلال، ويدفعهم إلى تكرار العملية في مدن سنية أخرى.
4 ـ خروج أهالي الفلوجة، والصمود أمام قوات الاحتلال، ودفعها لخوض حرب شوارع تؤدي إلى خسائر كبيرة في الجانبين، وتدمير كبير للمدينة يكون سببًا في خسارة دعائية كبيرة، وعاملًا في اتساع المقاومة وتجذرها لانكشاف طبيعة المحتل وسقوط دعاوى الإعمار والحرية والديمقراطية، وارتفاع أسهم أهل الفلوجة، وتأكيد ما اتصفوا به شجاعة وإقدام.
إن القرار الذي اتخذه مجاهدو الفلوجة، واختيارهم عدم الانسحاب إلا بعد مواجهة يطير ذكرها في الآفاق يتناسب مع طبيعة أهل المدينة التي امتزج فيها الانتماء لقبائل عربية أصيلة مع غلبة التدين، وإن الذي اتخذ قرار المواجهة هم وجهاء المدينة وزعماء عشائرها؛ لأنه تبين لهم من خلال وفود المفاوضات أن المدينة هدف للانتقام الأمريكي أيًا كان موقفهم؛ ولذا اختاروا وقفة العز في زمن الذل.
* ماذا أعدوا للفلوجة؟
لقد كان إخفاق محاولة إخضاع الفلوجة في المرة الأولى دافعًا للقيادة الأمريكية لتحضير قوات كبيرة مدعومة بالطيران والمدفعية والدبابات، والحرص على مشاركة عراقية في المعركة، وإظهار المعركة أنها تمت بأمر (علاوي) ، وعدم تكرار الأخطاء السابقة في فتح جبهات مختلفة في وقت واحد؛ ولذا تم تحييد الصدر وأتباعه ومحاولة اقتحام الرمادي قبْل الهجوم على الفلوجة؛ مع استقدام قوات بريطانية لدعم الوضع الأمني ببغداد. وكان هناك حرص شديد على تحميس الجنود ودفعهم للقتال؛ وذلك برفع شعارات دينية مثل: الصلبان على الدبابات، وتعميد الجنود قبل المعركة، وقراءة مقاطع من الإنجيل والتوراة عليهم لحثهم على الثبات، ومرافقة مجموعة كبيرة من القسيسين والحاخامات لهذه القوات في أرض المعركة وفي المستشفيات.
ويبلغ عدد القوات البرية المشاركة ما يلي:
1 -عشرة آلاف من مشاة البحرية الأمريكية، منهم حوالي ألف يهودي كثير منهم يعملون قناصة. وقد تحدثت صحيفة (هآرتس) عن نحيب الحاخامات في مراسم الجنازات الخاصة بعدد من الجنود الصهاينة الذين صُرعوا في الفلوجة.
ونقلت الصحيفة قول (أرفيننج ألسون) وهو أحد حاخامات مدينة نيويورك الأمريكية: «نحن هنا لتوديع عدد من الجنود اليهود الذين لقوا حتفهم في الفلوجة، وهم المقدم (آندي شتيرن) بسلاح المدفعية، و (مارك أفين) قناص يهودي وهو حفيد أحد الحاخامات الكبار في أمريكا» .