فإنه سبحانه قد حث على ذكره في عبادات كثيرة مثل الحج كما قال تعالى: (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) ) [الحج/ 27 ـ 28] .
وقال تعالى: (( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) ) [البقرة: 198] ، وقال: (( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آبائكم أو أشد ذكرًا ) ) [البقرة: 200]
ومثل الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون ) ) [الأنفال: 45] .
وذكر الله تعالى من أهم أسباب طلب مرضاة الله ومغفرته، ومن أعظم ما يدفع العبد إلى الإكثار من طاعة الله والبعد عن معصيته، ولذلك كان من أعظم العبادات تزكيةً للنفس وتطهيرًا لها وعونًا عليها وعلى أعوانها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإن وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني، قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) [البخاري رقم 6408 فتح الباري (11/208) ومسلم (4/2069) ]
والذكر رافع للدرجات محَّاءٌ للخطايا، والذي ترفع درجاته وتمحى خطاياه باستمرار مفلح مزكٍ نفسه ومطهرها، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) [البخاري رقم 6405 فتح الباري (11/206) ومسلم (4/2071) ] .
وفي حديثه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك) [البخاري 3293 فتح الباري (6/338) ومسلم (4/2071) ] .
وهنالك أذكار كثيرة شرع للمؤمن المحافظة عليها، منها المطلق ومنها المقيد بعدد أو وقت أو بهما، كالذكر عند النوم والاستيقاظ منه، وأذكار الصلاة كالتكبير والتسبيح والتحميد، والذكر بعد الصلاة، أو عند دخول المسجد أو الخروج منه.
أو عند دخول المرحاض و عند الخروج منه، وعند السفر وعند الرجوع منه، وعند النزول بمكان في السفر، وعند تناول الطعام والشراب أو الفراغ منهما. وعند مباشرة الزوجة وعند دخول المنزل وركوب الدابة أو نحوها.
وفي مناسك الحج من وقت الإحرام إلى الانتهاء منه وهكذا... لو أراد الإنسان أن يجمع تلك الأذكار ويحفظها ويعمل بها لما وجد وقتًا يخلو من ذكر الله، مع أن ذلك ميسر وسهل لا يقتضي منه ترك عمله. وإذا ملّ من الذكر باللسان فإنه يستطيع أن يذكر الله في كل حين بقلبه وسلوكه.
[يرجع في هذه الأذكار إلى الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث، حيث تفرد لها أبواب خاصة، وهناك كتب عني مؤلفوها بجمع الأذكار خاصة مثل الأذكار للنووي والكلم الطيب لابن تيمية والوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم وغيرها] .
والذاكر الصادق النية هو رجل الجهاد في سبيل الله.
قال ابن القيم رحمه الله: (وفي الترمذي أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول:"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قرنه") [الوابل الطيب صفحة 50] .
وقد عني ابن القيم رحمه الله ببيان فوائد الذكر في كتابه المذكور، ويكفي أن تذكر منه هذه الجملة قال: (الخامسة والثلاثون أن الذكر ييسر للعبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وفي حال نعيمه ولذته، وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى أنه ييسر للعبد وهو نائم على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقة الركب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الوابل الطيب صفحة64] .
وقال رحمه الله: (ومن منازل(( إياك نعبد وإياك نستعين ) )منزلة الذكر، وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون.
والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا ، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطرق، وماءهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواءها إذا غشيها اعتلالها، به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن، وتقشع الظلمة عن الأبصار، وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان.
قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين يقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسته الإنس وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه) [مدارج السالكين (2/423) ] .
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
وقفات مع الإجازة الصيفية
خالد بن عبدالله المصلح
الخطبة الأولى
أما بعد..
أيها المسلمون إن مرجع كثير من المشكلات الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية والسلوكية في فترات الإجازات الصيفية ذلك الفراغ الهائل الذي يخيم على أكثر الناس في هذه الفترة فما الاجازة عند أكثر الناس إلا كمٌ كبيرٌ من الوقت الفارغ الذي لا يحسن استعماله ولا تصريفه فهي أوقات سائبة وطاقات معطلة من خير الدنيا أو الآخرة ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ) (1) .