فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 788

ولما في الصوم من تزكية وتطهير وأجر عظيم، اشرأبت نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، أراد بعضهم أن يصوم الدهر كله، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك رفقًا بأصحابه من أن لا يطيقوا ذلك كغيره من العبادات، وبين لهم صلى الله عليه وسلم أن صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله (أي لأن الحسنة بعشر أمثالها)

فلما لم تطب النفس بذلك، ألزمهم بعدم الزيادة على صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، وأخبرهم أن ذلك هو أحب الصيام إلى الله، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنهما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:"إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل"؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس (أي تعبت) لا صام من صام الدهر،"صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله". قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى" [البخاري رقم 1979 فتح الباري (4/224) ومسلم (2/814) ] . وفي رواية:"وأحب الصيام إلى الله صيام داود""

تأمل كيف ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين جهاد النفس بالعبادة وجهاد الأعداء في سبيل الله. فقال:"ولا يفر إذا لاقى"، فإن في ذلك تنبيهًا على أن التقرب إلى الله إذا أداه صاحبه على الوجه المطلوب الذي يرضي ربه، فإنه يثمر القيام بحق الله في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله مع الثبات وعدم الفرار.

وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبيتون ركعًا سجدًا، مبتلة لحاهم بدموعهم خشية من الله، فإذا أصبح الصباح فلاقوا العدو استبطأ أحدهم أكل تمرات في يده تشوقًا إلى لقاء الله، فيرمي تمراته ويدخل في الصف ويقاتل حتى يقتل، والذين كانوا يتزاحمون على الصف الأول في الصلاة، كانوا يتزاحمون على الصف الأول عند اللقاء أيضًا.

وفي الصيام ـ كالحج ـ شبه بالجهاد في سبيل الله، لما فيه من الجوع والعطش والبعد عن الأهل وغير ذلك مما يحتاج إلى صبر وجهد كثير.

أثر تطوع الحج والعمرة في جهاد النفس

[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]

فُرِض الحج على المسلم بشروطه المبينة في كتب الفقه مرة واحدة في العمر، أما العمرة فاختلف في وجوبها، وليس البحث الآن بصدد بيان حكمها، ولكن على القول بوجوبها فإنها كذلك واجبة مرة واحدة في العمر، ويبقى باب التطوع مفتوحًا بالحج كل عام، وبالعمرة في أي وقت من الأوقات ـ وإن كره بعضهم تكرارها في العام وكره بعضهم فعلها في بعض الأوقات، كأيام التشريق مثلًا.

والحديث الصحيح يدل على أن الإكثار من العمرة مُزَكٍّ ومطهر وسُلَّمٌ إلى ثواب الله.

ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [البخاري رقم 1773 فتح الباري (3/597) ومسلم (2/983) ] .

وفي حديثه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) . [البخاري رقم 1819 فتح الباري (4/20) ومسلم (2/983) ] .

هذا مع ما يشتمل عليه الحج والعمرة من مشاق السفر ومفارقة الأهل والوطن، وما يتضمنه كل منهما من أذكار وطاعات كثيرة.

والحديثان شاملان لحج الفرض وحج التطوع لعموم لفظهما، وإذا كانت العمرة إلى العمرة تكفران ما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والحاج الذي يؤدي حجه كما يرضي ربه يرجع كيوم ولدته أمه، فإن ذلك يظهر ما للحج والعمرة من التزكية والتطهير للنفس البشرية.

أثر ذكر الله تعالى في جهاد النفس

[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]

وذكر الله تعالى من أعظم الطاعات التي تجعل العبد متصلًا بربه في كل أوقاته، وليس المقصود به تحريك اللسان بالأذكار الواردة شرعًا فقط، بل ذلك مع تأمل الأذكار بالقلب وتفهم معانيها والاستفادة منها بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وامتلاء القلب من خوف الله ومحبته سبحانه.

وقد لا يتحرك اللسان بالذكر، ولكن القلب لا يغفل عن الله، وعلامة ذلك أن يتقيد المسلم في كل أعماله بما شرع الله، فإذا حدثته نفسه بترك واجب ذكر ال،له فأدى ذلك الواجب، وإذا حدثته نفسه بارتكاب محرم ذكر الله، فأقلع عن ذلك المحرم، وهكذا تجده ذاكرًا لله في كل أحيانه ولعل هذا من معاني قوله تعالى: (( واذكر ربك إذا نسيت.. ) ) [الكهف: 24] .

ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالإكثار من الذكر، كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيمًا ) ) [الأحزاب: 41ـ43] .

وتأمل كيف ينقلب مَن يذكر ربه من حالةِ مرتكبٍ للفاحشة، إلى حالةِ مطيعٍ عامل مستغفر مغفور له، مثابٍ عند ربه، قال تعالى: (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) ) [آل عمران: 133-136] .

وكلما ذكر المؤمن ربَّه ذكره ربُّه، وأين ذكر العبد المخلوق الفقير إلى الله ربه من ذكر الله الخالق الغني عبده؟ قال تعالى: (( كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فاذكروني أذكركم ، واشكروا لي ولا تكفرون ) ) [البقرة: 152] .

وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم. وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) . [البخاري رقم 7405 ، فتح الباري (13/384) ومسلم (4/2061) ] .

وذكر الله تعالى يلين قلوب المؤمنين ويجعلها ساكنة مطمئنة إلى ربها، كما أنه يذكرها عظمته فتخافه، ويترتب على ذلك المسارعة بطاعته والبعد عن معصيته. قال تعالى: (( الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ، ومن يضلل فما له من هادٍ ) ) [الزمر: 23] .

وقال تعالى: (( فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ) [الحج: 34 ـ 35] .

وقال تعالى: (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ) ) [الأنفال: 2] .

وقال تعالى: (( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ) [الرعد: 28]

وكما حث الله تعالى على ذكره عمومًا في الآيات السابقة وأمثالها مثل قوله: (( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك.. ) ) [آل عمران: 190 ـ191] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت