ويتضح مما مضى أن من آثار المحافظة على صلاة التطوع محبة الله تعالى لعبده وتوفيقه إياه لعمل ما يرضيه عنه، وأنها تحقق للعبد شكر لله سبحانه، وترفع درجاته عنده، وتمحو خطاياه، وتؤهله للنعيم الدائم: الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنها من أهم أسباب مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك وغيره تزكية للنفس وتطهيرًا لها وإعدادها للجهاد في سبيل الله ورفع رايته.
هذا وإن من أراد أن ينصب نفسه للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، فلا بد أن يعلم أنه معرض للابتلاء وكره الناس ووقوفهم ضده ومحاولتهم إغراءه بشتى أنواع المغريات، ليسكت ويعرض عنهم ويتركهم وما يشتهون، فإن لم يفد معه الإغراء والترغيب فإنهم لا بد منتقلون إلى الوعيد والتهديد، ووضع كل العراقيل في سبيله، بل سيعتدون على ماله وعرضه ونفسه، فلا يدعونه وشأنه، كما كان أمر جميع الأمم مع الأنبياء، وكما وقع من كفار قريش والجزيرة العربية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والصبر على ذلك ليس سهلًا بل هو أمر شاق، بل إن البشر لا يطيق ـ بدون سند رباني ـ مواصلة الدعوة والجهاد مع تكالب الأعداء عليه، والأعداء دائمًا كُثُر، وأعدى أعداء الإنسان وأقربهم إليه نفسه وهواه وشيطانه.
لذلك لا بد من زاد للصبر وعدة للسير ووقود للاستمرار، وما ذلك الزاد وتلك العدة وهذا الوقود إلا اللجوء إلى الله والاعتماد عليه، وطلب العون منه بالتقرب إليه، ولا سيما ـ في جوف الليل ـ عندما يأوي إلى فراشه بعد الأتعاب والهموم والأحزان والعراك المتنوع، في هذا الوقت الذي يأخذ الإنسان يحدث نفسه عما لاقاه وتحاول تثبيطه وتوهينه لتحول بينه وبين مواصلة الجهاد والكفاح الدائمين حتى يلقى ربه.
هنا لا بد له أن يفزع إلى ربه ويقف بين يديه طالبًا منه المدد والعون، مستمدًا منه القوة والعزم على الجهاد في سبيله، ذاكرًا له بالتكبير الذي يملأ جوانح نفسه بربه، فلا يهاب إلا إياه راكعًا وساجدًا له، فلا يخضع لسواه، مناجيًا له بكتابه متدبرًا معانيه فاقهًا لأوامره ونواهيه، عالمًا أسراره وحكمه، فيذهب عنه التعب، لارتياح نفسه بطاعة مولاه وتنزاح الوحشة عنه لأنسه بمن يناجيه في جوف الليل الذي سكن فيه الناس إلى مضاجعهم نائمين غافلين عن الله، أو صاخبين فيه على منكراتهم غير مبالين.
عند ذلك تتجدد الهمة وتقوى العزيمة وتخلص النية، فيتمثل أمامه أنبياء الله ولسان حالهم جميعًا يقول للأعداء: (( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) ) [هود: 54ـ56] .
قال سيد قطب رحمه الله ـ عند قوله تعالى: (( إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا ) ) [المزمل: 5] :(وإن قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها، والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.
إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير). [في ظلال القرآن (29/3745) ] .
أثر صوم التطوع في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
سبق أن ذكرنا أن صيام رمضان أحد أركان الإسلام، وأنه ذو أثر عظيم في تزكية النفس وتطهيرها، وأنه يؤدي بالصائمين إلى تقوى الله.
وإن نفل الصوم كذلك، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر من صيام التطوع، ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى يظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته) . [البخاري رقم 1972 فتح الباري (4/115) ومسلم (2/812) ] .
وصام صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وحث على صيامه، كما في حديث ابن عباس عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال:"ما هذا"؟ قالوا: قالوا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال:"فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه". [البخاري رقم 2004 فتح الباري (4/244) ومسلم (2/795] .
وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شهر شعبان، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان) . [البخاري رقم 1969 فتح الباري (4/213) ومسلم (2/810) ] .
وحث صلى الله عليه وسلم على صيام ست من شهر شوال، وبين أن من صامها بعد رمضان فكأنما صام الدهر، ففي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" [مسلم (2/822) ] .
كما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم الإثنين ويوم الخميس، كما في حديث عائشة. [جامع الأصول (ت م س) (6/322) ] . وكان يأمر أصحابه صلى الله عليه وسلم بصيام أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. [جامع الأصول (6/325) ومسلم (2/817) ] ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:"صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله" [البخاري رقم 1979 فتح الباري (4/224) ] .
وللصيام أثر كبير في تزكية النفس وتطهيرها، لما فيه من التزام المؤمن وصبره عما هو حلال له في الأصل من أجل الله سبحانه، ولذلك أبهم الله أجر الصوم وكان فضل الصوم عند الله عظيمًا.
كما أن الصائم القادر على منع نفسه من الطعام والشراب والجماع التي هي من أكثر الأمور التي تتوق إليها نفس المسلم ـ لا سيما عند حاجته إليها ـ قادر كذلك على الصبر على أذى الناس وعدم الرد بالمثل، والصوم يقي صاحبه من الأوضار في الدنيا ومن النار في الآخرة.
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الصيام جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" [البخاري رقم 1894 فتح الباري (4/103) ومسلم (2/806ـ807) ] .
وخص الله الصائمين في الدنيا، بباب في الجنة، إكرامًا لهم لا يدخله سواهم، جزاء لهم وميزه باسم:"الريان"، كما في حديث سهل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد". [البخاري رقم 1896 وفتح الباري (4/111) ومسلم (2/808) ] .