فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 788

وفي القرآن الكريم ما يقوي الإيمان، ويدعو إلى البذل، ويبين صفات المجاهدين التي يجب أن يتحلى بها من يريد أن يقوم بالجهاد في سبيل الله… وكلما أكثر الإنسان من قراءة القرآن ازداد علمًا وعملًا، وحصلت له التزكية التي نزل القرآن الكريم من أجلها، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم للقيام بها، كما قال تعالى: (( هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليه آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ) [الجمعة: 2] .

وهذا ما دعا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقول: (إذا سمعت الله يقول:(( يا أيها الذين آمنوا.. ) )فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه) [زاد المعاد لابن القيم (1/113) ] .

أثر صلاة التطوع في جهاد النفس

[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]

الصلوات المفروضة فرض عين هي الصلوات الخمس التي فرضها الله على هذه الأمة خمسًا، وجعل ثوابها خمسين ـ الحسنة بعشر أمثالها ـ وقد سبق أنها ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الوحيد الذي ربط الله به المسلم خمس مرات في يومه وليلته.

ولعظم شأن الصلاة وما تشتمل عليه من معانٍ تزكي المؤمن وتطهره، شرع الله سبحانه للمؤمن غيرها من الصلوات التي ترافقها قبل الفرض وبعده أو قبله فقط، وهي التي تسمى بالسنن الراتبة، لتكون القبلية مهيئية صاحبها للإقبال إلى الله تعالى في الفريضة، ولتكون البعدية مذكرة له بدوام ارتباطه به سبحانه، ولتكون كلها ـ القبلية والبعدية ـ مكملة لما قد يحصل عليه من نقص في فريضته كما مضى.

قال ابن قدامة رحمه الله ـ مبينًا السنن الراتبة ـ (وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) [زاد المعاد (2/102) المغني (2/93) ]

ورأى بعض العلماء أن الراتبة قبل الظهر أربع، ورأى بعضهم أن للعصر راتبة وهي أربع، ورجح ابن قدامة أن لا راتبة للعصر، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم حث عليها. [المغني (2/93) ]

وعلى كلٍ فهي عشر على القول الأول، و أربع عشرة أو ست عشرة ركعة، على ما ذكر بعده، ومن السنن الراتبة ركعتان أو أربع ركعات بعد صلاة الجمعة.

كما شرع للمؤمن صلوات أخرى غير الراتبة، مثل قيام الليل، وصلاة التراويح في رمضان، والوتر، وسنة الضحى، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة ـ وهي فرض كفاية ـ ولكنها تصبح في حق من لم تجب عليه تطوعًا، وركعتين قبل صلاة المغرب بعد الأذان، وركعتي تحية المسجد لمن أراد الجلوس فيه، وركعتي صلاة الاستخارة. [المغني (2/93ـ100) ] .

ولا حاجة لذكر النصوص الواردة في هذه النوافل ومن أراد أن يطلع عليها فليرجع إلى كتب الحديث وكتب الفقه التي فصلت ذلك تمام التفصيل. [انظر مثلًا زاد المعاد (2/102 ـ 121) وكذا (2/150ـ156) ] .

و المقصود ذكر تلك النوافل التي شرعها الله تعالى لعبده المؤمن، منها ما هو متكرر مع الفرض وبعضها آكد من بعض، ومنها ما يتكرر كل يوم ليلًا أو نهارًا، ومنها ما يشرع لسبب من الأسباب ويشمل الجميع وصف التعيين فهي معينة كما ترى.

ولم يقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل حثَّ أمته صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة ـ غير المفروضة وغير النافلة المعينة ـ وبين صلى الله عليه وسلم أن الصلاة ترفع الدرجات، وتمحو الخطايا، وتؤهل المكثر منها لمرافقته صلى الله عليه وسلم في الجنة.

كما ثبت في صحيح مسلم عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطّ عنك بها خطيئة"، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.

وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه، وحاجته فقال لي:"سل"فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال:"أو غير ذلك"قلت: هو ذاك، قال:"فأعني على نفسك بكثرة السجود". [الحديثان في صحيح مسلم (1/353) ] .

ومع ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم التقرب إلى ربه بصلاة النافلة، إذ كان يقوم حتى ترم قدماه، كما في الصحيحين من حديث المغيرة قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له: فيقول:"أفلا أكون عبدًا شكورًا" [البخاري رقم 1130 فتح الباري (3/14) ، ومسلم (4/2171) ] .

مع ذلك كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أن ينال أصحابه هذا الفضل العظيم، لتزكية نفوسهم وفوزهم بالقرب من الله تعالى وبحبه وتوفيقه، فكان يحذرهم من أن يثبطهم الشيطان عن التنفل بالصلاة ـ ولا سيما صلاة الليل ـ فقد ذكر عنده صلى الله عليه وسلم رجل نام ليله حتى أصبح (أي لم يقم الليل) فقال:"ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". [البخاري رقم 3270 فتح الباري (6/335) ومسلم (1/537) ] .

وأوضح صلى الله عليه وسلم حرص الشيطان على حرمان المسلم من هذا الفضل العظيم فقال:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدةٍ: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". [البخاري رقم 1142 فتح الباري (3/24) ومسلم (1/538) ] .

وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على أن لا يحول الشيطان بين أصحابه وبين فضل الله العظيم يتفقد أقرب المقربين إليه، ويحثهم على قيام الليل، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة،ً فقال:"ألا تصليان"فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مولٍ يضرب فخذه وهو يقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا) [البخاري رقم 1127، فتح الباري (3/10) ومسلم (1/537) والآية من سورة الكهف رقم: 54] .

ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارعون إلى الإكثار من صلاة التطوع حتى تتعب أجسامهم، فيكاد يسقط أحدهم من الإعياء، ولكنه يشعر بالراحة والاطمئنان، فلا يبالي تعب جسمه، فيمد الحبل ليتعلق به عند الإعياء، فيشفق عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرهم بفعل ما يطيقون.

ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال:"ما هذا الحبل"؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد". [البخاري رقم 1150، فتح الباري (3/36) ومسلم (1/541) ] .

والأحاديث والآثار الواردة في حرص الرسول صلى الله عليه وسلم وحرص أصحابه على صلاة النافلة أكثر من أن تحصى فليعد إليها من أراد. [انظر مثلًا أول الجزء السادس من كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم للعلامة الأثير الجزري مطبعة الملاح1392هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت