فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 788

فلا الإقامة تنجي النفس من تلفٍ…ولا الفرار من الأحداث ينجيها

وكلُّ نفس لها دورٌ يصبحها…من المنية يومًا أو يمسيها

أيها المسلمون، إن هذه الجمعة هي آخر جمعة في هذا العام، وإن سير الزمن الحثيث يباعد من الدنيا ويقرب من الآخرة. كان بعض السلف إذا غربت الشمس من كل يوم جلس عند باب داره يبكي، فيُسأل عن سبب بكائه فيقول: قطعت يومًا من حياتي إلى الدار الآخرة، ولا أدري أهي خطوات إلى الجنة أم أنها خطوات إلى النار. فكم من خطوات مشيناها، ومراحل قطعناها، وأوقات صرفناها.

هلموا ـ يا عباد الله ـ لنحاسب أنفسنا، دعونا نتساءل عن عامنا: كيف أمضيناه؟! وعن وقتنا: كيف قضيناه؟! ثم لننظر في كتاب أعمالنا وكيف طويناه، ونتبين ما قدمناه، فإن كان خيرًا حمدنا الله وشكرناه، وإن كان شرًا تبنا إلى الله واستغفرناه، كفى تجرُؤًا على حدود الله، كفى اقترافًا لمعاصي الله، كفى قسوة للقلوب وتفريطًا في جنب علام الغيوب، كفى ضياعًا للصلاة.

أتى عليك المحرم ومن بعده صفر، وشهر إثر شهر، وأنت تنام عن الفجر والعصر، لم تعرف روضة المسجد لك مكانًا، فأنت دائمًا في صلاتك تقضي، وبسرعة منها تمضي، مالِ حالك لا يتغير؟! زدت في دنياك وتقدمت، ونقصت في آخرتك وتأخرت. إلى متى وأنت تطلق لسانك يفري في أعراض الناس، ينهش لحومهم، غيبة ونميمة كذبا وافتراء؟! إلى متى وأنت ترى بعينيك ما حرم الله؟! أما تخشى أن تحترق هاتان العينان في نار الله؟!

وأنتم يا رعاة البيوت، يا أمناء البيوت، جلبتم آلات اللهو في بيوتكم، ونشأتم عليها صغاركم ونساءكم، وجعلتم الأطباق الفضائية تاج عز فوق رؤوسكم، وعمن لا يصلي من أبنائكم ويفجر ويعصي غضضتم طرفكم، كفى استحيوا من الله حق الحياء.

وأنتم يا من تنتسبون للدعوة والاستقامة، مضى عام كامل وأمتكم كثيرٌ من أبنائها يغرق في أوحال الشهوات والشبهات، ماذا قدمتم لدينكم؟! ثلاثمائة وستون يومًا كم كلمة فيها ألقيتَ؟! كم شريطًا وزّعتَ؟! وكم كتيبًا نشرتَ؟! وكم عاصيًا نصحت؟! وكم مرة وعظت؟! كم اهتدى على يديك؟! ماذا قدمت لدينك؟! ماذا قدمت لأمتك؟!

إخواني، إنا نودع هذا العام وأمتنا مثخنة بجراحاتها متلمظة بمآسيها، كم من مسلمين في هذا العام ماتوا جوعًا، كم من مسلمين هذا العام شردوا من بيوتهم فلا مسكن ولا مأوى، كم من بريء مسكين قتلته رصاصات الغدر والكفر، كم من حرة عفيفة هتك سترها كافر عتلٌ غليظ، كم من بلدٍ استبيحت حرمته وسلبت أراضيه، كم من أرضٍ أُحرقت ظلمًا لا لشيء إلا أن أهلها يقولون: ربنا الله، كم وكم من الصور المؤلمة التي سيحملها عامنا وسيرحل بها في حقيبته.

أيها العام قد طويت جناحًا……وتهيأت للرحيل البعيد

سوف تمضي وقد تركت قروحًا……داميات بقلبي المجهودِ

أنا ما زلت أنشد الشعر لكن……نغمة الحزن لم تفارق قصيدي

نعم، سل نفسك: كم مرة فكرت في حال المسلمين فاغتممت ففاضت عيناك؟! وكم مرة احترق قلبك وأنت تقرأ ما حل بالمسلمين؟! وكم مرة رفعت يديك في ضراعة وخشوع تدعو لإخوانك المساكين المستضعفين؟! وأراك يوم أن أصابك صداع في رأسك دعوت الله وتضرعت، أراك يوم أن جُرح ابنك ومرض سألت الله وتضرعت. فأين هذا التضرع والبكاء لإخوانٍ لك في الإسلام في بلاد شتى؟! لم يصبهم صداع في رأسهم كلا، لم يصبهم صداع لكن شويت رؤوسهم بالنار بقنابل وصواريخ تصب عليهم في الليل والنهار، ولم يجرح أبناءهم أو يمرضوا كلا، بل تقطع أوصال أبنائهم أمام أعينهم، نعم ماذا قدمت لهم؟!

آن ـ والله ـ أن ترجع النفس وتتوب، وتتجه لخالقها وتئوب، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية

أما بعد: رضوان ربي على صحابة نبيه، ورحمات ربي على تُباع صحابته، لكَم وكم خلوا بأنفسهم وحاسبوها، وعاتبوها وأنّبوها، فهذا أنس بن مالك يقول: سمعت عمر بن الخطاب لما دخل بستانًا من البساتين وما عنده أحد وقف مع نفسه يناديها قائلًا لها: (عمر أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، والله يا ابن الخطاب لتتقينَّ الله أو ليعذبنك) ، وبكى يزيد الرقاشي عند موته فقيل له: لم تبكِي؟ قال: أبكي على قيام الليل وصيام النهار، ثم أجهش بالبكاء وهو يردد: من يصلي لك يا يزيد؟! من يصوم لك؟! من يتوب عنك من الذنوب؟!

ونُقل عن ابن الصمة أنه جلس يومًا ليحاسب نفسه فعدَّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلي، ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب؟! فكيف وفي كل يومٍ عشرة آلاف ذنب؟! ثم خرَّ فإذا هو ميت. رحمهم الله؛ خافوا فأدلجوا، وزهدوا في الدنيا، وللآخرة قدموا.

أخي يا رعاك الله، اُخلُ بنفسك عند ختام هذا العام، وسلها وخاطبها: بأي شيء هذا العام أودعت؟! استعرض أوراق عامك بأي شي كتبت؟! وعلى ماذا سطرت؟! فإنها ـ والله ـ مدونة عليك، يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة:6] .

قف مع النفس التي طالما للعصيان تجرأت، وللمحارم اعتدت، وللطغيان أسرفت، وللقبيح أكثرت، وقل:

يا نفس توبِي فإن الْموت قد حانا…واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا

أما ترين الْمنايا كيف تلقطنا…لقطًا فتلحق أُخرانا بأولانا

فِي كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه…نرى بِمصرعه آثار موتانا

أين الملوك وأبناء الْملوك ومن…كانت تخر له الأذقان إذعانًا

خلوا مدائن كان العز مفرشها…واستُفرشوا حُفرًا غُبرًا وقيعانا

عجبًا ـ والله ـ ممن يوقن بالموت ثم ينساه، ويتحقق الضرر ثم يغشاه، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه، يطول عمره ويزداد ذنبه، يبيض شعره ويسوَّد قلبه، قلوب مريضة عز شفاؤها، وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها، وجوارح غرقت في الشهوات فحقّ عزاؤها.

قيمة الزمن في القرآن الكريم

لفضيلة الدكتور عودة عبد عودة عبد الله

تمهيد:

الزمن هو مادة هذه الحياة، والروح التي تجري في عروقها، فما الحياة في حقيقتها إلا زمن يمر ويمضي، ومن أدرك الزمن على حقيقته، فقد أدرك هذه الحياة على حقيقتها، وبانت له معالم الطريق الذي ينبغي سلوكه. وما الزمن إلا حياة الأمم، إذا حافظت عليه دبت الحيوية في شرايينها، وإذا أهملته أمست هامدة خامدة لا روح فيها ولا حياة.

والناظر في أحوال المسلمين اليوم يتملكه الحزن الشديد لما يرى من تضييع الأوقات في سفاسف الأمور ومحقراتها بما لا يؤدي إلى نفع عام أو خاص، ولو اتبع المسلمون هدي قرآنهم وهدي نبيهم لاحتلوا موقع القيادة والريادة الذي كانت أمتنا تتبوأه في عصورها الزاهية، ولو فعلوا ذلك لما وصلت إليه حالهم إلى ما آلت إليه الآن من التراجع والذل والخضوع، حتى صاروا في ذيل القافلة، وقد كانوا منها في مأخذ الزمام، وهانت عليهم نفوسهم، فاحتلت أوطانهم، واستمرءوا العيش في الحضيض. وما وصل الغربيون إلى القمة في العلوم التقنية والإنسانية إلا بمحافظتهم على الزمن والإفادة من ساعاته ودقائقه اليسيرة في كل أحوالهم.

ومن هنا يأتي هذا البحث لبيان قيمة الزمن، والتنبيه إلى مكانته، انطلاقا من النصوص القرآنية الغنية بالتوجيهات التي تبين قيمة الزمن وتنوه بشرفه وفضله. وذلك في محاولة للخروج من حالة الركود والتثاقل إلى حالة الحركة والفاعلية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الوعي التام بقيمة الزمن في الحياة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت