وهذه الممارسة تقوم على مبادئ التنجيم و المفهوم الإغريقي القديم عند آرسطو و غيره في أن الإنسان يخزّن تجارب حياته على شكل خطوط محددة. و أيضا، يزعم أصحاب هذه الممارسة أنه يُوجد في هذا الكون نجوما لكل شخص خاصة به، و من خلال التأمل و التخييل أو التنبؤ في بعض الأحيان يتولد إحساس عميق في معرفة الشخص (ذاته(من أين أنا) من خلال هذا الخط الزمني الخاص به على اعتبار أن هناك نقطة ما في حياة هذا الشخص متعلقة بهذا الكون توصله لما يبحث عنه. فأصحاب هذه الممارسة في الغرب يزعمون أن لديهم إرادة حرة مطلقة لمضادة القدر التي تمكّنهم من تغيير طرق حياتهم باختيار منهم. ولذلك، فأصحاب هذه الممارسة يحاولون استخراج الخط الزمني للشخص، و من ثم يتم تغيير اتجاه أو مكان الخط الزمني المراد لخلق المستقبل وإعادة زرع الأمنيات والأحلام أو إزالة عواطف وأفكار غير مرغوبة .
فالخط الزمني ببساطة عبارة عن عملية لجمع المعلومات المطلوبة لبرمجتها ومحاولة معرفة الاختلاف في تخزين الذكريات الماضية والتصورات المستقبلية اللاواعية. وبعد جمع هذه المعلومات كما الحال في التنويم المغناطيسي يتم غرس ما يُراد غرسه عن طريق الأدوات الأخرى للبرمجة. ومن خلال هذا الخط الزمني يخاطب الشخص و يُؤثر عليه ويُطلب منه الإجابة على بعض الأسئلة الموجهة لإستخلاص ما في ذاكرته وجمع المعلومات عن شخصيته و عواطفه و أفكاره السلبية والإيجابية حول الأحداث السابقة وأمنياته المستقبلية من خلال تخيل خط أو منحنى وهمي على الأرض أو الجدار أو من خلال عملية التخييل الذهني. و كل هذا قائم على ما يُسمى بقوانين (العقل الباطن) من جذب وضبط وتحكم وتنبؤ وغيرها. و بعض ممارسي هذه الطريقة في الغرب يُدخل معها تكامليا شيئا من أمور الطاقة الروحية .
ولذلك، فلا أرى أن هناك فرق في مضمون الفعل بين من يستخدم الطرق و الخط في الأرض أو قراءة الفنجان أو قراءة الكف ومن يستخدم الخط الزمني فقد جاء التحذير و الوعيد في الطرق الزاعمة معرفة الغيب بالحدس والتخمين و غيرها كما صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: (العيافة والطيرة والطرق من الجبت) (رياض الصالحين 535) . و أيضا: (العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض) (صحيح أبي داود 3307) . فجميعهم يشتركون في الزعم بمعرفة الأمور و الاستدلال على ما يجري من الحوادث و الحالات بمقدمات يُستدل بها أو ظنون حدسية و تخمينات أو أسئلة بجوابها للتأثير على الناس. و ليس هناك علاقة بما يُسمى (العقل الباطن) وقضية تقدير وتدبير الحياة و معرفة الأمور غير الظاهرة و الغيبية، وغير ذلك من الأمور (المسببات كما يظن أصحابها) التي تستعمل لمعرفة الغيب و المغيبات و الأحوال و الأحداث والإخبار عما يحدث أو لشفاء الأمراض. كل ذلك يدخل في حكم أمور الكهانة المحظورة؛ لأن القلوب يجب أن تتعلق بالله خالقها و مدبرها الذي يملك الضرر والنفع والخير والشر وبيده الخير وهو على كل شيء قدير .
الدعاة والبعد الزمني الغائب
بقلم: عبد الله المسلم
حين خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف ليبحث عن مجال أنسب وأخصب للدعوة، وفعل معه أهل الطائف ما فعلوا، وصف هذه الحال بقوله: (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطْبق عليهم الأخشبين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا) (1) .
لقد قال هذه المقالة عقب هذا الحدث وآثاره لمّا تزل بعدُ ماثلة، ولم يقلها وهو في جلسة تفكير هادئة.
والأمر نفسه نجده في سيرة نوح (عليه السلام) حين لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وحين دعا ربه على قومه قال: (( وَلا يَلِدُوا إلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا ) ) [نوح: 27] ، إذ كان (عليه السلام) يؤمل بذريتهم وأولادهم، فلما يئس من هذه الذرية دعا ربه عليهم.
إن هذين الموقفين ليعطيان المسلم دلالة على البعد الزمني في تفكير الأنبياء (عليهم السلام) وتخطيطهم للدعوة، وهو بُعْدٌ تعاني الأمة اليوم من فقده كثيرًا، إنه مرض ورثه بعض الدعاة والخيِّرين من عقلية المجتمعات الإسلامية التي لا تفكر إلا فيما تزرعه اليوم وتحصده في الغد وتأكله في اليوم الثالث.
ولقد كان من نتائج غياب البعد الزمني في تفكير الدعاة:
1-الابتعاد عن الأعمال المنتجة العميقة الأثر التي تحتاج إلى وقت وجهد للقيام بها، ولا تظهر آثارها في الزمن القريب، والعنايةُ أكثر بالأعمال سريعة الأثر وقريبة النتائج، وهي مهما علا شأنها لا يسوِّغ أن تكون ـ بحال ـ هي الميدان الوحيد الذي يفكر فيه الدعاة.
2-غياب الرؤية البعيدة والنظر الاستراتيجي العميق للواقع، وعدم دراسة المتغيرات التي تحكمه واتجاهاتها، مما يوقع المجتمعات الإسلامية أمام المفاجآت، ويحرمها من التوقع المسبق للمشكلات، ومن ثم الإعداد لها ومواجهتها، وذلك واجب ينبغي أن يقوم بأعبائه الدعاة إلى الله (عز وجل) .
3-التسرع في التقويم، والحكم على كثير من الجهود الدعوية التي ربما لاتظهر آثارها في الزمن القريب المنظور، وترتب على ذلك اعتبار الابتلاءات التي تصيب الدعوة دلائل فشل وإخفاق، وافتراض ثبات الأوضاع القائمة بكل متغيراتها وظروفها.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وإعطاء الأمور ما تستحقه من الوقت مما يؤمل معه أن تنتقل الدعوة إلى مواقع ومساحات كانت قد حرمت منها، وأن تتسع النظرة ويبعد الأفق.
إننا حين نتأمل شابًا مستجمع القوى والنشاط، يملك قدرات وخبرات، وحيوية وفتوة، ندرك أن عقدين من الزمان كانت على الأقل ـ هي فترة بنائه ـ توافر عليها عوامل ومؤثرات عدة لا يمكن أن ينفرد عامل منها في مسؤولية عن جانب واحد من جوانب شخصيته، فهل نحن نفكر اليوم ولو على الأقل على مدى عقدين من الزمان؟ فليت الذين عمرهم في الصحوة ربما يقصر عن هذه الفترة يدركون أن عمر الأجيال والمجتمعات لا يقارن بعمر الأفراد، فكيف، والأمر كذلك، نطالب المجتمعات بنضج في وقت ربما لا ينتظر فيه نضج فرد من الأفراد؟
وواقع المجتمعات الإسلامية اليوم لم يكن نتاج قفزة هائلة إنما هو نتاج عوامل عدة أثرت وساهمت مجتمعة في صياغته، يضاف إلى ذلك عشرات من السنين، فكيف يراد إصلاح هذا الواقع في سنيات عدة؟
الهوامش:
1)رواه البخاري، ح/3231، مسلم، ح/1795.
تأملات في أسباب غياب البعد الزمني وآثاره
منصور طه الحاج آدم