فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 788

لقد أصبحنا في هذه الأيام نُكثر من الحديث عن أهل الباطل والفجور ونسمع كلام الدعاة إلى الفساد ونشر الفاحشة بين المسلمين ونستمتع بمعرفة أخبار اللاهين والغافلين بل ونتشوق ونتلهف إلى رؤيتهم والحديث معهم وعنهم وكأنهم ملاذنا وقرة أعيننا ولذا رأينا الكثير من أبناء المسلمين لم يعودوا يفرقوا بين الحق والباطل من كثرة رؤية أهل الباطل والحديث عنهم وعن باطلهم حتى رأوا ذلك الباطل وكأنه حقا ولذلك فإن علينا أن نعود إلى ذكر أهل الصلاح وتطييب المجالس بذكرهم بل وتحلية العين برؤيتهم إن كانوا من الأحياء، وأُبشر من يفعل ذلك بصلاح في القلب وتنزل للرحمة فلقد قال أحد العلماء:"عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة"، وقال آخر:"ما رأيت أنفع للقلوب من ذكر الصالحين"، فيامن ترجوا الخير وتبتغي السعادة الحقيقية وتأمل في دخول الجنة عليك بذكر الصالحين والحديث الدائم عن سيرتهم وتعطير المجالس بأقوالهم ولتكف نفسك عن ذكر الطالحين الذين لا يرجون لك نفعًا ولا يبغون لك إلا الضلال .

"أذكار الصباح والمساء"

يقول الحق تبارك وتعالى: ( ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرأً) "الأحزاب آيه41"، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم"كان يذكر الله على كل أحيانه"، ويروى عن أحد الصالحين أنه قال:"الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟"، ويروي أحد الصالحين عن صاحبه قائلًا:"ما رأيت البويطي بعد ما فطنت له إلا رأيت شفتيه يتحركان بذكر أو قراءة"، ومن الأوقات التي يجب أن يحرص عليها الأنسان في ذكره لله عزوجل ما بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس وما بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس وهي ما تسمى ب"أذكار الصباح والمساء"، ويستدل لها بقوله تعالى: ( واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخُفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) "الأعراف: 205"قال أهل اللغة:"الآصال": جمع أصيل ، وهو ما بين العصر والمغرب ، وقال تعالى: ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) "طه:130"، وقال تعالى: ( وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) "غافر:55"، ويقول أحد الصالحين:"اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح"، ويروى عن أنس يرفعه:"لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أعتق أربعة"، ولعل من يتدبر تلك الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليجد من الفضائل والخير الكثير مما يرغب فيه كل إنسان يبغي الخير والسعادة في الدنيا والآخرة ولذلك فإن على المسلم أن يراعي تلك الأوقات الفاضلة فيذكر فيها ربه بما ورد عن نبيه صلى الله عليه وسلم .

إن من الشعر لحكمة !!

قال الشاعر:

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما استطعت *** فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى *** لتبصر آثار من قد ظلم

فتلك مساكنهم بعدهم *** شهود عليه ولا تتهم

وما كان شيء عليهم أضر *** من الظلم وهو الذي قد قصم

فكم تركوا من جنان ومن *** قصور وأخرى عليهم أطم

صلوا بالجحيم وفات النعيم *** وكان الذي نالهم كالحلم.

وقال الشاعر:

أترجوا أن تكون وأنت شيخ *** كما قد كنت أيام الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب *** قديم كالجديد من الثياب .

"شكر نعم الله عزوجل !!"

يقول الأمام أحمد - رحمه الله -:"الإيمان نصفان ، نصفه صبر ونصفه شكر"، ولهذا فإن حال المؤمن يتقلب بين نعمة يشكر الله عليه ، وبلاء يصبر عليه ويحتسبه عند الله فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له""رواه مسلم"، فعلى المسلم أن يشكر ربه فيعترف بفضله ويرد كل نعمه إلى جوده وكرمه ، وهذا الاعتراف هو أول باب الشكر وليس نهايته فلا يكفي الاعتراف بل يجب استعمال هذه النعم في طاعة الله وألا يستعان بشيء منها على معصية الله ويستتبع ذلك التحدث بهذه النعم وظهور أثرها عليه فلقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحدث بنعمة ربه: ( وأما بنعمة ربك فحدث ) "الضحى: 11"، وبهذا يكتمل الشكر وتتحقق ملامحه وقبل أن نختم ومضتنا نذكّر بهذين القولين:

1)قال القاسم الجنيد - رحمه الله -:"الشكر ألا يستعان بشيء من نعم الله على معاصيه"

2)قال الحسن البصري - رحمه الله-:"أكثروا ذكر هذه النعم فإن ذلك شكرها بلسان الحال".

"نظرة .. ونظرة"

هناك فرق شاسع بين نظرة إلى الحرام تورث حسرة في القلب وندمًا بعد الموت ونظرة إلى الحلال توجب المحبة وترفع في درجات العبد ، ولذا كان الترغيب كبيرًا في غض البصر فقال تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .... ) "النور:30،31"، وقال صلى الله عليه وسلم:"غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم"، وقال أيضًا:"يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى"، ويقول ابن القيم - رحمه الله-:"النظرة مثل الحبة تُلقى في الأرض ، فإذا لم يُلتفت إليها يبست ، وإن سقيت نبتت ، وكذلك النظرة إذا لحقت بمثلها"، فانظر إلى تلك النظرات التي تورث الحسرات والزفرات والحرقات والتي تجرح القلب جرحًا يتبعه جرح ثم لا يمنعه ألم جرحه من استدعاء تكرارها ، وانظر إلى تلك النظرة التي يقول عنها النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه ، نظر الله إليهما نظرة رحمة ، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما"فشتان بين تلك النظرة الحلال وغيرها من الحرام .

"نداء إلى الشباب"

تقول السيدة حفصة بنت سيرين - رحمها الله - باعثة بنداء إلى الشباب:"خذوا من أنفسكم وأنتم شباب ، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب"، ولعلنا نحتاج إلى أن نفهم هذا النداء ونستوعب ما فيه ونسعى إلى الأخذ بما جاء فيه فنستغل أوقات شبابنا ونستثمرها في طاعة ربنا خاصة أن وقت الشباب سريع الانقضاء فكما قال الأمام أحمد - رحمه الله -"ما شَبّهتُ الشباب إلا بشيء كان في كُميّ فسقط"، ولهذا حذرنا الحسن البصري - رحمه الله - من الأغترار بفترة شبابنا وتأجيل التوبة والتسويف في الأعمال فقال:"يا معشر الشيوخ ما بال الزرع إذا بلغ ، قالوا: الحصاد ، ثم قال: يا معشر الشباب إن الزرع قد تبلغه العاهة قبل أن يبلغ"، وقال:"أياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك ، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم"فاحرص أيها الشاب على فعل الخيرات قبل مرور الأوقات ولتعلم أيضًا أن هذه الفترة من عمرنا لها سؤال خاص بها بجانب السؤال عن العمر بأكمله فلنحذر جميعًا ولنعد للسؤال جوابًا وفقنا الله وأياكم إلى فعل الخير .

أبناؤنا في الإجازة

د. يحي إبراهيم اليحي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت