ثم اعلموا ـ أيها المسلمون ـ أن من أدب الإسلام في الفتن كفّ اللسان وحبسه وعدم الزج به فيما لا يعني، وزمَّه عن الفحش والتفحش، أو الوقوع في الظن والخرص، فإن إطلاق اللسان، وسيلان الأقلام، خائضةً في المدلهمات، ولاتَّة (15) [2] في المتشبهات، والقضايا المزعجات دون زمام ولا خطام لمن شأنه أن يضعف إيمان المرء المسلم، ويوقعه مواقع الزلل، غير آبه بوصية النبي لعقبة بن عامر حينما سأله: ما النجاة؟ قال: (( أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) ) [رواه الترمذي في جامعه] (16) [3] .
إن اللهث وراء كل حدث وخبر باللسان تارة، وبالأقلام أضعافها، في البيت وفي السوق، والمجالس والمنتديات، وعبر شبكات تقنية يكثر فيها اللغط دون تروٍّ أو توثقٍ أو محصَّلة من العلم والفهم لمما يقلل العافية والسلامة من الخطأ، فضلًا عن أن يقدِّم حلا عاجلا سوى الخلط والجهل والتضليل، ولله در أبي حاتم البستي حين قال:"إن العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في السكوت" (17) [4] ، لأن من الناس من لا يكرم إلا للسانه، ولا يهان إلا به، فالواجب على العاقل أن لا يكون ممن يهان به.
ثم اعلموا ـ عباد الله ـ أن الحوارات الشفهية، والمطارحات الورقية، لا ينبغي أن تكون لكل راكب، ولا عِلكًا يلوكه الكل، وأمور الناس بعامة لا ينبغي أن يتصدى لها أي أحد كيفما اتفق، دون تمييز بين الغث والسمين، وبين ما يعقل وما لا يعقل، وإنه لمن المستكره أن يكون مقدار لسان الإنسان أو قلمه فاضلًا على مقدار علمه، ومقدار علمه فاضلًا على مقدار عقله، فلقد روى البخاري في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) (18) [5] ، فمن هرف بما لا يعرف فهو ممن قال الله فيهم: قُتِلَ الْخَراصُونَ [الذاريات:10] ، قال قتادة ـ رحمه الله ـ:"هم أهل الغرة والظنون" (19) [6] وروى الإمام أحمد وغيره عن النبي أنه قال: (( إن أمام الدجال سنون خداعات، يكذَّب فيها الصادق، ويصدَّق فيها الكذوب، ويخوَّن فيها الأمين، ويؤتَمَن فيها الخائن، ويتكلم الرويبضة ) )، قيل: وما الرويبضة؟ قال: (( الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ) ) (20) [7] .
فعلى حملة الأقلام وذوي اللسان أن يتقوا الله سبحانه، وألا يستخفُّوا بأحد، وأن لا يبغوا على أحد من المسلمين، يقول ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ:"أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء والإخوان والسلطان، فمن استخف بالعلماء أفسد مروءته، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخف بأحد" (21) [8] .
ومما يزيد الأمر توكيدًا وتوثيقًا ـ عباد الله ـ حينما يكون الخوض فيما قال الله أو قال رسوله ، فليس لذلك إلا العلماء الأتقياء الأنقياء، فهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الدجى، فحذار حذار لمن تجاوز طريقهم أن يقع في قول النبي: (( من أُفتِي له بغير علم كان إثمه على من أفتاه ) ) [رواه أبو داود] (22) [9] ، وقد قال عبد الله بن وهب: قال لي مالك بن أنس:"يا عبد الله، لا تحملنَّ الناس على ظهرك، وما كنت لاعبًا به من شيء، فلا تلعبنّ بدينك" (23) [10] ، ولذلك قال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ:"ما كفيت عن المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ولا تُنافِس، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله، أو يسمع قوله، وإياك وحب الشهرة، فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا العلماء السماسرة" (24) [11] ، وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:36] .
اللهم صلّ على محمد وعلى آله محمد ...
(1) مثل عربي معناه: الحق واضح، والباطل ملتبس . انظر: مجمع الأمثال (1/207) .
(2) أخرجه البخاري في الشهادات [2652] ، ومسلم في كتاب الفضائل [2533] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(3) أخرجه أحمد (4/126-127) ، وأبو داود في السنة [4607] ، والترمذي في العلم [2676] ، وابن ماجه في المقدمة [44] من حديث العرباض بن سارية، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان [5] ، والحاكم (1/95) ، ووافقه الذهبي . وهو في صحيح الترغيب [37] .
(4) أخرجه البخاري في الفتن [7068] من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) أي يَذبل.
(6) أي إلا متكلفًا للقيء.
(7) أخرجه البخاري في الفتن [7081] ، ومسلم في الفتن [2886] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) فتح الباري (13/31) .
(9) أخرجه البخاري في الفتن [7061] ، ومسلم في العلم [157] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(10) 10] أخرجه مسلم في الفتن [2908] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(11) 11] أخرجه مسلم في القدر [2653] من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(12) 12] أخرجه أحمد (37/68) [22386] ، وابن ماجه في المقدمة [90] من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه ابن حبان، والحاكم (1/493) ، وقال البوصيري في الزوائد:"سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن"، وأخرجه الترمذي في القدر [2139] من حديث سلمان وقال:"حديث حسن غريب"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة [154] .
(13) 13] أخرجه البخاري في الفتن [7121] عن أبي هريرة في حديث طويل، وهو في صحيح مسلم لكن ليس فيه هذا الجزء.
(14) علقه البخاري في كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر عن ابن عيينه عن خلف بن حوشب، ووصله في التاريخ الصغير كما في الفتح.
(15) اللتّ هو الفت والسحق.
(16) أخرجه أحمد (36/570-571) [22235] ، والترمذي في الزهد [2406] من حديث عقبة بن عامر، وقال: حديث حسن. وهو في السلسلة الصحيحة [890، 891] .
(17) روي مرفوعًا عند الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس، وقال العراقي: حديث منكر كما في كشف الخفاء (2/84) ، وهو في ضعيف الجامع [3838] .
(18) أخرجه البخاري في العلم [127] .
(19) أخرجه ابن جرير عنه في تفسيره (13/192) بنحوه، وانظر: تفسير ابن كثير (7/393) .
(20) أخرجه أحمد (21/24-25) [13298] ، وأبو يعلى [3715] ، والبزار [3373] من حديث أنس، وقال الحافظ في الفتح (13/84) ."سنده جيد"، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (13/291) [7912] ، وابن ماجه في الفتن [4036] ، وصححه الحاكم (4/465-466) ، وشاهد آخر من حديث عوف بن مالك عند الطبراني في الكبير (18/ ح123، 124، 125) .
(21) هذا من كلام أيوب بن القرّيّة أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم [996] .
(22) أخرجه أحمد (14/17) [8266] ، وأبو داود في العلم [3657] ، وابن ماجه في المقدمة [53] من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم (1/126) ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني صحيح الجامع [6068، 6069] .
(23) 10] انظر: السنة للخلال (1/215) ، والحلية لأبي نعيم (3/320) .
(24) 11] أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (ص88) ، وأبو نعيم في الحلية (6/377) .
آخر الزمان منفرات ومبشرات
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-فساد آخر الزمان. 2- أسباب انتشار الجهل ورفع العلم. 3- الحرب ضد تعليم الدين. 4- من مظاهر فساد آخر الزمان. 5- بشائر تقع في آخر الزمان.
الخطبة الأولى
أما بعد: ثبت عن النبي أحاديث كثيرة تتحدث عن آخر الزمان، وهذه الأحاديث تعطي تصورًا صحيحًا للمسلم لما سيحصل في المستقبل من خلال النصوص الشرعية.