والمقصود بآخر الزمان: هو آخر زمان الدنيا الذي يكون بين يدي الساعة، ولعل أوله بعثة الرسول كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ).
أيها المسلمون، سيظهر في آخر الزمان مساوئ نطق بها النبي ، محذرًا أمته أن يقعوا في شيء من ذلك. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
عن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله: (( إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْج ) )رواه البخاري. والهَرْج: القتل. وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشْرَب الخمرُ، ويذهب الرجال وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد ) )رواه مسلم. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي قال: (( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف ) )أخرجه البخاري معلقًا.
فهذه الأحاديث ـ معاشر الأحبة ـ وما في معناها تدل على حصول بعض المساوئ التي تكون في آخر الزمان، ويرتبط بعضها ببعض، من فشوا الجهل وقلة العلم، وقد بدأ النقص في العلم من بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة وانتقل الرسول إلى ربه عز وجل، ولا يزال ينقص إلى أن يُرفع بالكلية، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها ) ).
وقد ظهر هذا النقص في هذا الزمن بصورة واضحة جدًا، حتى صار أكثر الناس يجهلون المعلوم من الدين بالضرورة، ومن تأمل النصوص ونظر في الواقع أدرك أن هذا النقص إنما هو نتيجة حتمية لأسباب كثيرة، لعل من أبرزها موت العلماء، وقد فقدت الأمة أكبر علمائها العاملين وأبرز دعاتها المشهورين في فترة قصيرة، ومن حكمة الله تعالى أن تعاقب موتهم، فقدنا الأول ثم فقدنا الثاني ثم فقدنا الثالث، فإنا لله وإنا إليه راجعون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )رواه مسلم.
ومن أسباب النقص أيضًا عدم الإخلاص في طلب العلم، ويدل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا اتُخذ الفيء دولًا والأمانة مغنمًا ) )وفيه: (( وتعلم العلم لغير الدين ) ). وقد حصل هذا عندما رُبط العلم الشرعي بالمال في كثير من البلاد، ورُبط العلم بالمناصب الرسمية، وأصبح الناس يطلقون على هذا بأنه عالم بحسب منصبه الرسمي، ولا تعرف ذاك ولا تستفتيه لأنه ليس لديه منصب رسمي، فنَزع الله من الأول الخشية والبركة والنفع والعمل إلا ما شاء الله، فمات العلم في القلوب، فهو لا يتجاوز التراقي والحناجر.
وكما شهد هذا الزمان موت كثير من العلماء الربانيين الذين كانوا منارات يُهتدى بها من ظلمات الشهوات والشبهات، فقد شهد الرؤوس الجهال الذين يتجرؤون على الفتوى بغير علم. والله المستعان.
وهناك الحرب ضد تعلم الدين، وسياسة تجهيل الشعوب بالإسلام تحت ستار مكافحة الإرهاب، ومن مظاهر ذلك تغيير المناهج وتقليص مواد الدين في كثير من البلاد، وقفل المعاهد والمدارس الشرعية، ومضايقة أهل السنة ودعم أهل البدعة، ونحو ذلك مما يساهم في إبعاد الناس عن العلم الشرعي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( سَيَلي أموركم بعدي رجال يُطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها ) )، فقلت: يا رسول الله، إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: (( تسألني ـ يا ابن أم عبد ـ كيف تفعل؟! لا طاعة لمن عصى الله ) )حديث صحيح.
أيها المسلمون، ومن صور السوء في آخر الزمان فشو الزنا وكثرته، حتى أصبحت تجارة البغاء تشكِّل ربحًا هائلًا وموردًا ضخمًا من موارد المال في بعض البلاد التي أهلها مسلمون، وقد هيأ المجرمون وسائله ودواعيه حتى أصبح أسهل مما يتصور، ولا يزال يزداد ويكثر حتى تموت الغيرة في النفوس، وتسقط آخر مرتبة من مراتب الإنكار، فيُقارف الزنا علانية على قارعة الطريق، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( والذي نفسي بيده، لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها خلف هذا الحائط ) ).
ومن مظاهر السوء أيضًا ظهور الأغاني والمعازف، فقد وقعت هذه العلامة في العصور السابقة، وهي الآن أشد انتشارًا وتنوعًا، وقد استهان بحرمتها كثير من الناس، بل ممن ينتسبون إلى أهل العلم نسأل الله السلامة، وبات التهديد بالمسخ والقذف والخسف قريبًا ما دامت الأمة لاهية تستحل ما حرَّم الله عليها، من تعاطي أسباب الفسق والفجور، وقد ازداد هذا البلاء حتى تجاوز مرحلة السماع والاستمتاع إلى التقنين والتقعيد والتخطيط والتنظيم وجلب الخبراء وفتح المعاهد وصياغة المناهج، حتى أصبحت فنًا يدرَّس وعملًا يمارس، فأي ظهور بعد هذا الظهور؟!
ومثله انتشار الخمر في بلدان المسلمين وكثرة شربها وتداولها بين الناس، وحمايتها بالقوانين والأنظمة حتى أصبحت أمرًا مألوفًا يقدم مع الطعام ويوزع في الفنادق، وهو نديم المسافر في رحلاته، ورفيق الضال في سهراته وخلواته، وتُلحق به المخدرات بجميع أنواعها التي ابتليت بها البشرية فأصبحت شبحًا يهدد أمن الدول وحياة الأفراد.
ومن أبشع صور الشر والفساد في آخر الزمان ما أخبر به النبي من الاستخفاف بالدم وكثرة القتل، قال فيما صح عنه: (( بادروا بالأعمال خصالًا ستًا ـ وذكر منها ـ واستخفافًا بالدم ) )، وقد استُخِفّ اليوم بدم البشرية عندما تمكن المجرمون من قيادة الأمم، حيث أشعلوا الحروب الطاحنة في كل مكان بلا سبب ولا مبرر، واستخدموا أبشع الأسلحة المحرمة دوليًا، واستُنزفت خيرات وأموال دول وشعوب في هذه الحروب، كان بالإمكان أن تحل أزمات ومشاكل عشرات الدول والشعوب لو كان الساسة عقلاء، وقبل وبعد هذا يزعمون أنهم دعاة سلام. نسأل الله جل وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
قال رسول الله: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )رواه مسلم.
إن المبادرة بالأعمال الصالحة هي التي تكون حصنًا قويًا من الفتن العظيمة المظلمة التي تكون بين يدي الساعة، ومنها الفتنة في الدين حيث يضعف التمسك به ويعز الثبات عليه، لدرجة أن العبد يتقلب بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر في اليوم الواحد، حتى إنه يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة ) )، قيل: وما الرويبضة؟ قال: (( الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ) ).