والمراد من الحديث بيان فساد آخر الزمان، حيث تختل المقاييس وتتقلب الموازين، فيتصدر الأمة من ليس لذلك بأهل، ويتزعم القبيلة أفسقُهم، ويسود القوم أرذلهُم، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا اتُّخذ الفيء دولًا والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا… ) )وفيه: (( وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره ) ). ومن تأمل الواقع وأمعن في النصوص رأى سفينة الأمة تمخر عباب بحر متلاطم من الفتن والبلاء، يقودها الرجل التافه بمجموعة كاملة من الفسقة والمجرمين.
أيها المسلمون، إن ضعف المسلمين في كثير من المجالات وبُعْدهم عن مراكز التأثير ومواقع القيادة مكّن أعداء الإسلام من السيطرة التامة فأصبحوا قادة العالم وصنّاع القرار، يضعون من يشاؤون في المكان الذي يشاؤون، فيضمنون بذلك بقاء السيادة في أيديهم، وقد أخبر بذلك كما في الحديث الصحيح مرفوعًا: (( ليأتين عليكم أمراء يقرِّبون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكوننّ عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا ) ).
ومن المظاهر المؤلمة ـ ونحن في أواخر الزمان ـ تداعي الأمم على الأمة الإسلامية ونهب خيراتها والعبث بعقول أبنائها، كما في حديث ثوبان رضي الله عنه عند الإمام أحمد وغيره قال: قال رسول الله: (( توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )، فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ؟! قال: (( لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن ) )، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (( حبّ الدنيا وكراهية الموت ) ).
وفي هذا الحديث إشارة إلى السرّ الحقيقي في ضعف المسلمين وتداعي الأمم عليها، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، وقد تعلقت القلوب في هذا الزمن بالمال حتى عُبد الدينار والدرهم، وتَعَامل الناس بالربا، وانهَمَك الكثيرون بالحرث والزرع، وأَوغَلَ الناس في الترف، ونُسي الجهاد في سبيل الله، فتداعت علينا الأمم، ووقع الذل الذي لا يُرفع إلا بالعودة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ولن يكون ذلك إلا إذا تعلقت القلوب بالله تعالى وحده، وقد أخبر رسول الله بهذا الواقع، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ). وقد عانت الأمة من ذل الاستعمار المفروض بالنار والحديد ردحًا من الزمن، وهي اليوم تعاني أشكالًا جديدة منه، بسبب ما خلفه الكفار في الأمة من ثقافاتهم وعاداتهم، وقوانينهم التي تمارس من قِبل الأمة الغثائية بطيب نفس، أو تفرض عليهم فلا خيار لهم. والله المستعان.
فنسأل الله جل وعلا أن يعجل بفرج أمة محمد فرجًا عاجلًا غير آجل.
الخطبة الثانية
أما بعد: ورغم كثرة المساوئ التي تقع في آخر الزمان، فإن هناك فضائل ومبشرات كثيرة تفتح باب الأمل للمسلم، وتزيد في يقينه وثقته بنصر الله تعالى، وقد جاءت تلك المبشرات في كثير من النصوص النبوية، من ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول: (( لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ) )، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9] أن ذلك تام! قال: (( إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ) )، وقال: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر ) ).
إنها بشارة من النبي بأن الأمة ستعود إلى دينها بإذن الله تعالى، وسيدخل هذا الدين الحواضر والبوادي، وسيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك يوم تكون الأمة أهلًا لذلك، تعمل للدين وتضحي من أجله.
ثم إن هناك نصوصًا كثيرة تبشر بعودة الجهاد في هذه الأمة في آخر الزمان، وهذا من أعظم المبشرات، من ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما سئل: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ وفيه فقال رسول الله: (( مدينة هرقل تفتح أولًا ) )، يعني: القسطنطينية، ومثله ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج لهم جيش من المدينة ) )رواه مسلم، ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ ) )قالوا: نعم يا رسول الله، قال: (( لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق ) )رواه مسلم، وأيضًا حديث أبو هريرة رضي الله عنه المشهور قال: قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود ) )رواه مسلم.
فهذه النصوص الكثيرة تبشر بعودة الجهاد في سبيل الله وكثرة الفتوحات وتطهير الأرض من نجاسة اليهود والنصارى وخبثهم، ولعل ما نراه اليوم من جهاد في مناطق عدة يكون بارقة أمل وبوابة إلى جهاد أعظم يؤذِن بنصر قريب وفرج عاجل إن شاء الله.
ومن المبشرات ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ) )ثم سكت. ففي هذا الحديث بشارة عظيمة بوقوع خلافة راشدة على منهاج النبوة، تكون بعد الملك الجبري.
ومن أعظم المبشرات ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) )، يقول راوى الحديث فقلت: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله، قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. رواه مسلم. استنبط العلماء رحمهم الله تعالى من هذا الحديث أن الروم يسلمون في آخر الزمان، وذلك من المبشرات ولا شك؛ لأن هذه الصفات قلما توجد إلا في أصحاب الإيمان الصادق، ويدل عليه قوله: (( والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء ) )، يعني: فارس والروم.
ومن المبشرات قول النبي: (( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة ) )رواه مسلم.
إن صِدْق الرؤيا من المبشرات في آخر الزمان كما في هذا الحديث، لكن بشرط الإيمان وصدق الحديث، ومن عظيم شأنها أنها جزء من النبوة، فهي دعوة للإيمان الصادق وصدق الحديث.