وثالث صفات الذين ينجون من الخسار: التواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك ويحثه عليه ويرغبه فيه، والله عز وجل يريد من الأمة المسلمة أن تكون واعية، قائمة على حراسة الحق والخير، يشعر كل فرد من أفرادها أن عليه عملا، وله دور تجاه المجتمع، فلا يكتفي أن يعمل هو فقط، بل مطالب أيضًا أن يوصِي غيره بذلك، وهذا يستدعي صبرًا في مودة وغيرةً وإشفاقًا على المسلمين أن ينالهم شرٌ أو يفوتهم خير.
والصفة الرابعة من صفات من استثني من الوقوع في الخسارة: هم المتواصون بالصبر بكلّ أنواعه؛ لأن النهوض بالحق عسير، والمعوقات عنه كثيرة، منها هوى النفس ومنطق المصلحة وأعراف الناس وتقاليدهم وطغيانُ الظالم وجورُ الجائرين، فالتواصي تذكير وتشجيعٌ وإشعارٌ بالقربى ووحدة الهدف والقيام بحق الأخوة. وطبيعة هذا الدين كذلك لا يقوم إلا في حراسة يشترك فيها الجميع، كل بما يستطيع؛ بيده أو لسانه أو قلمه أو جاهه أو ماله، فإن عدِم تلك الأشياء كلها فبدعائه، حيث لا يستطيع أحدٌ أن يقف بينه وبين الدعاء، والدعاء انعكاسٌ لما يكمن في القلب إذا عجزت الحواس الخارجيّة والوسائل المذكورة.
أيها المسلمون، إن هذه السورةَ جليلةُ القدر عظيمة المعنى، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:"لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم". وروى الطبراني عن عبد الله بن حصن قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترّقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلّم أحدهما على الآخر، يعني: إيذانًا بالافتراق.
اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك بنبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وبقية الصحابة أجمعين، وخصَّ منهم أزواجه أمهات المؤمنين, وآله الطيبين الطاهرين، والعشرة المبشرين...
إضاعة الوقت في رمضان
صالح بن عبد الله الهذلول
غير محدد
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-ظاهرة تضييع رمضان في مشاهدة المسلسلات وغيرها. 2- مفاسد التلفزيون على روحانيات رمضان. 3- التحذير من المسابقات الرمضانية المتعاملة بالميسر.
الخطبة الأولى
أما بعد: مظاهر غير محمودة تقع خاصة في رمضان، وفيها من التفريط وتفويتِ نيل الأجر الشيء الكثير، بل إنها تعرّض صاحبها لاقتراف الذنوب وتحمّل الأوزار، ذلكم ما يشاهد في شاشات التلفزيون من المسلسلات؛ وخاصة الشعبية منها، والتي يؤجّل عرضها ـ للأسف ـ حتى تثبت رؤية هلال رمضان، وكأنّ رمضان عندهم شهر الهزل وتضييع الأوقات والضحك والسهر.
إن المسلسلات من هذا النوع لتفعل في نفوس مشاهديها ما تعجز عنه أمضى خطط المكر والتمييع؛ إذ إن هدف الأعداء تفريغ رمضان من معانيه الإيمانية والنفسية والصحية، فإذا تم لهم ذلك بأي وسيلة فهو المطلوب. ناهيك عما يعرض من المباريات الرياضية والأغاني التي يسمونها الأغاني الرمضانية.
ولعل هذا من أقوى الأسباب وأبلغها في جفاف الروحانيات التي يشكو منه الكثير، ويتبرم ويتضايق من أن نفسه لا تقبل على العبادة، ولا تتأثر بالمواعظ وخاصة القرآن، ربما دخل الشهر الكريم وخرج وعينه لم تدمع خشية لله أو خوفًا منه، بل ترقب وبكل شوق متى ينتهي شهر رمضان.
أيها المسلم، إذا كنت جادًا في إصلاح نفسك واغتنام فرصةِ عمرك والتزود للآخرة فأقلع عما يصرفك على الطاعات، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، واحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وستجد انشراح صدرك وإقبال نفسك على فعل الخير والتوجه إليه والفرح بالظفر به والانتفاع.
ومسألة أخرى ـ معاشر الصائمين ـ تتعلق بإهدار الوقت في رمضان، ألا وهي الرّكض وراء المسابقات الرمضانية التي يُتعمَّد هي الأخرى نشرها في رمضان، سواء ما كان منها في الجرائد أو الإذاعات المحلية والخارجية، ومنها ما يشاهد في محطات التلفزة، وهي مع ما تضيّعه من الأوقات المتمثّل فيما يجري من المكالمات التلفزيونية بين الشباب بعضهم مع بعض بحثًا عن حلّ السؤال الفلاني أو التأكد من الجواب، وما يتم بين الفتيات ربما يفوق مثيله عند الشبان. إن ذلكم مع ما يضيعه من الوقت فإن بعضًا من المسابقات يدخل في تعاملاتها الميسر, والميسر ـ كما هو معلوم ـ محرم شرعًا، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90، 91] ، وهو كلّ معاملة يدخل فيها المتعامل مع الجهالة لا يدري هل يغنم أو يغرم، ومعاملةٌ هذا شأنها تُعوِّد متعاطيها على البطالة والكسل وهجر الأعمال المشروعة.
يطرح في المسابقات الرمضانية وغيرها بطاقاتٌ تباع بأثمان مختلفة، لا يحق لأحد الدخول في المسابقة حتى يشتري هذه البطاقة، فحاله الآن إذًا غارم، فإذا أدخل بطاقته كرخصة دخول فيحتمل أن يكون جوابه صحيحًا فيغنم، كما يحتمل أيضًا خطؤه فيغرم. هذا من جانب، ومن جانب آخر فالبطاقات التي يبيعها منظمو المسابقة كثيرة، بينما الفائزون عددهم محدود. فمن هذا الباب دخلت في حكم الميسر.
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ في دينكم، واتقوه في صيامكم، فإنه ما شرع إلا من أجل بناء التقوى وعمارتها في القلوب، قال الله جل شأنه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] . فهل يجد المنشغلون والمتابعون للمسلسلات والمباريات والمسابقات، هل يجدون بعدها تقوى أو ضدها؟!
اللهم حبب إلينا الإيمان...
قيمة الوقت وإطلالة رمضان
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-حالنا مع الأوقات. 2- الوقت هو الحياة. 3- نماذج رائعة لسلفنا الصالح في قيمة الوقت والزمان. 4- فضل شهر رمضان.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .
أيها السادة الأعزاء، بات الوقت في حياة كثير من المسلمين أرخص السلع وأوهن الأثمان وميدان اللهو والضياع، يعمد كثيرون إلى أوقاتهم فيقتلونها بالحارقات والمغريات والسفاهات. جفَّت عقولهم فهانت أوقاتهم، وسقطت أهدافهم فضاعت ساعاتهم، وضعفت نفوسهم فغُبنت أزمنتهم. لم يَعُد للجد في حياتهم مكان، ولا للفائدة في أوقاتهم عنوان، ولا للطموح عندهم قدر وميزان. جِدّهم لذائد وشهوات، وفائدتهم أخبار هشة، وطموحهم مرح زائد وأفراح. صارت الأوقات مستنقعًا للملهيات، يطول الحديث الفارغ، ويشمخ السمر المهين، وتعظم السهرة التافهة.