فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 788

أصبحت حياة الشباب في ميادين السفه، وأضحى ذوو الشيب والوقار بُعداء عن الخير والأذكار، وصارت النساء أسيرات الزينة الغرّاء. يحفظ الإنسان في حياتنا المعاصرة مالَه ومتاعَه وسيارته ويضيّع وقته وحياته! يجادل على بقاء المال ونمائه ويستهين بالزمان وساعاته ولحظاته! يَعُدُّ الدنانير عدًا ويزيد الأوقات حسرةً وكدا!

من الذي يجعل الوقت والزمان أغلى الأثمان ويصونه عن التفاهة والخسران؟! هل سمعتم بمن ينام في اليوم بضع عشرة ساعة ومن يحيي الليل على السمر والإضاعة؟! وهل رأيتم قرين الفضائيات من الصبح إلى المساء غير مبالٍ بالساعات والصلوات؟!

أضحى المثقفون يَهرِفون بما لا يعرفون، ويقرؤون ما لا ينتفعون، ويتحدثون بالسمج الطويل والحديث الهزيل والقول الكليل. أين فينا حراس الزمان وحماة الساعات وصناع الأوقات الذين جعلوا أوقاتهم أعلى قيم حياتهم ورفعوها إلى أعاليها وصانوها من اللهو والهزل والتعاسة؟!

إن الوقت ـ يا مسلمون ـ هو الحياة، أقسم الله تعالى به لعظمه وشرفه ومكانته، قال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1، 2] . قال ابن عباس رضي الله عنهما: (العصر هو الزمن) .

إن هذا الزمن هو موضع الخير والشر، ومستودع السعادة والشقاوة، وهو عز الإنسان أو ذله، فيه أحياء وأموات، وسعداء وأشقياء، ويا خيبة من حرقه بالمعاصي والموبقات.

والوقت أنفسُ ما عُنيتَ بِحفظهِ …وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ

أيها الناس، لقد غُبنَ كثير من المسلمين في أوقاتهم، تجاوزتها الغايات النبيلة، وفاتتها المقاصد الحميدة، همّهم لذتهم، ووقتهم معالم راحتهم ورفاهيتهم وسفاهتهم. وإن هذا تصديقه الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: فالوقت منقضٍ بذاته منصرم بنفسه، فمن غفلَ عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفَوت مقدار ما أضاع، وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟! وكيف يُرد الأمس في اليوم الجديد؟! لا، وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:52] ، ومنع مما يحبه ويرتضيه، وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه.

فيا حسراتٌ ما لي إلى ردِّ مثلها …سبيلٌ ولو رُدّت لهانَ التحسُّرُ

والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، ويقال للأشقياء المعذبين في النار: ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] .

أيها الإخوة الفضلاء، لقد مرَّ على هذا العالم أقوام عرفوا أهمية الوقت، وأدركوا قيمته، فعظموه غاية التعظيم، وأرخصوا دونه كل المحاب والملاذ. عرفوا أن الوقت هو أنفس اللذائذ وأحسن الطيبات، عرفوا أن الوقت نعمة جليلة تأبى التلطخ بالملاهي والقاذورات، فجعلوا منه نديًا للخيرات والقربات.

وسوف أنقل لكم أقوالهم وأخبارهم وآثارهم في تعظيم الوقت وحراسته من العابثين واستغراقه في النافع المفيد. وإن من تمام العقل عندهم ورشاده عمارة الوقت بطاعة الله، وكل من أضاع وقته زهدوا فيه وترحّموا على عقله وصوابه.

ليس عندهم في حياتهم مجال للسفاهات أو التعرف على دقائق الأمور، عرفوا الحق فأخذوه بقوة، وتقلدوه على حزمٍ واجتهاد، لم يشمت بهم الكسل، ولم يعرفهم العجز والخور، فلله درهم.

قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: (ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي) . وقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:"إن الليل والنهار يعملان فيك فاعملْ فيهما". وقال الحسن البصري رحمه الله:"يا ابنَ آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضُك". وقال أيضًا:"أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم". وقال رجل لعامر بن عبد قيس أحد التابعين الصلحاء: كلِّمني، فقال له عامر: أمسكِ الشمس. نعم، أمسك الشمس فإن الزمن دائر متحرك، أمسك الشمس فالوقت سريع الانقضاء، أمسك الشمس حتى لا تكتب علينا حسرات.

يا مسلمون، إننا لنستمتع بالمطاعم والمشارب ولو طالت، وباللذائذ ولو أثَّرت وغيرت، فاسمعوا ما يقول بعض هؤلاء الصلحاء، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله:"أثقلُ ساعةٍ عليّ ساعة آكل فيها". وفي ترجمة حماد بن مسلمة البصري رحمه الله تعالى قال موسى التبوذكي:"لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن مسلمة ضاحكًا لصدقت، كان مشغولًا؛ إما أن يحِّدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، وقد قسم النهار على ذلك". وقال يونس المؤدِّب:"مات حماد بن مسلمة وهو في الصلاة رحمة الله عليه".

وهذا الإمام أبو الوفاء ابن عقيل، وقد كان من أفاضل العالم وأذكياء بني آدم، كان يقول:"إني لا يَحلّ لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وبصري عن مطالعة أعملتُ فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عَشْر الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة". وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:"أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة".

ودخل أناس على رجل من السلف فقالوا: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم. وجاء عابد إلى السَري السَقطي فرأى عنده جماعة، فقال: صرت مُناخَ البطاّلين، ثم مضى ولم يجلس. وعن الحسن قال:"ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم يقول: يا أيها الناس، إني يوم جديد، وإني على ما يُعمل فيَّ شهيد، وإني لو قد غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة".

قال ابن الجوزي رحمه الله:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قُربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتور بما يعجز عنه البدن من العمل".

مضى أمسُكَ الماضي شهيدًا معدَّلًا…وأعقبه يومٌ عليك جَديدُ

فَيَومُكَ إن أغنَيْتَه عاد نَفعهُ…عليك وماضِي الأمس ليس يعودُ

فإن كنتَ بالأمس اقترفت إساءةً…فثنّ بإحسانٍ وأنت حَميدُ

فلا تُرجِ فعلَ الْخيْر يومًا إلَى غدٍ…لعل غدًا يأتي وأنت فقيدُ

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الأخيار، يُهل علينا هذه الأيام شهر رمضان المبارك، هو نوع من الوقت والزمان، لكنه زمان خير وبركة، تضاعف فيه الحسنات، وتقال العثرات، وتستجاب الدعوات، فما أنتم صانعون فيه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت