بل وللإنسان أن يعمل ولو بأمور دنياه ، فهي معاشه وقوته ، وفي الحديث « كان معاذ بن جبل يؤم قومه فدخل حرام - بن ملحان - وهو يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد ليصلي في القوم ، فلما رأى معاذًا طول في صلاته لحق بنخله يسقيه ، فلما قضى معاذ ، قيل له: إن حرامًا دخل المسجد ، فلما رآك طوّلت تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه . وعند السراج إني كنت أعمل في نخل لي ، وخفت عليه الماء - فقال: إنه منافق ! أيستعجل الصلاة من أجل سقي نخلة ؟ فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده ، فقال: يا نبي الله ! أردت أن أسقي نخلي ، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم ، فلما طوّل تجوزت في صلاتي - وعند السراج فانصرف ، وهو دليل القطع ، والاستئناف من جديد - ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أني منافق فأقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم على معاذ ، فقال: أفاتن أنت ؟ لا تطوّل بهم ، اقرأ بهم سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها » السراج - حم عن أنس مرفوعًا وهو صحيح . الفتح ( 2/300 ) برقم ( 705 ) الإرواء ( 1/328 ) برقم ( 295 ) .
فالنص غني عن أي تعليق ، إن طالب العلم واجب عليه تقسيم زمانه ، زمن للحفظ ، وزمن للمطالعة وزمن للنسخ ، وزمن لراحة بدنه ، وزمن لأخذ حظه ، ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء ، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثرَّ الغبن وبان أثره ... ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه . ومن طوى منازل في منازل أوشك أن يفوته ماجدَّ لأجله .. » . صيد الخاطر ( 189 - 190 ) السوانح ( 72 - 77 ) .
14-بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى:
إن زماننا هذا ، زمن العجز ، وإن شئت فقل: زمن الدعة والرفاه وموت الهمم ، قصور في حياتنا العلمية والفكرية ، فمات الإبداع وغابت القمم .
ولقد أدرك سلفنا عظم الأمانة وضخامة التبعة، فضحوا من أجل رسالتهم ، وبذلوا في سبيلها النفس والنفيس ، فكان لهم ما أرادوا ، فهنيئًا لهم .
قال ابن القيم: « فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة ، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم ، وهو يمر أسرع من مرَّ السحاب ، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره ، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته ، وإن عاش فيه عاش عيش البهائم ، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة ، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة ، فموت هذا خير له من حياته » الجواب الكافي ( 163 ) السوانح ( 78 - 81 ) اهـ .
وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين
صفحات مشرقة في عبادات العلماء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن هذه المحاضرة أو هذا الدرس ليس لي فيه خيار، ولو استشرت فيه لما قبلت، نعم أنا موافق على إلقاء درس في الوقت نفسه، لكن لو عُرض عليَّ مثل هذا العنوان لما قبلت، ولا أقول في مقدمة هذا الدرس إلا ما قلته في مقدمة الهمة في طلب العلم، يعني كمن يضرب مثل بشجاعة أجبن الناس، أو بكرم أبخل الناس، يعني يؤتى بمثلي ليلقي درسًا عن عبادات العلماء والتقصير معروفٌ لدى الخاص والعام؟! نسأل الله -جل وعلا- أن يمن علينا وعليكم بالعمل بالعلم، وأن يتفق الظاهر مع الباطن، هذا الموضوع يحتاج إلى شخصٍ يتحدث عن نفسه، وطالما تحدثت عن نفسي في محاضرات كثيرة في الآفات التي تعتري طالب العلم، وأضرب الأمثلة من نفسي، وإن لم يعلم السامع، أقول: هذا الموضوع يحتاج إلى شخصٍ يتحدث عن نفسه.
ويمكن أن أبرر القبول -بعد الإعلان- بصنيع ابن القيم -رحمه الله تعالى- في طريق الهجرتين ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى-: المنهج الذي يسير عليه المقربون من استيقاظهم إلى نومهم، ذكر خطة عمل يسيرون عليها، ماذا يصنعون إذا انتبهوا من النوم قبل الصبح؟ ثم بعد ذلك ما صنيعهم إذا دخلوا المسجد لأداء صلاة الصبح، ثم بعد ذلك جلوسهم حتى ترتفع الشمس، ثم بعد ذلك انصرافهم إلى أعمالٍ أخرى من أعمال الآخرة، وليس من أعمال الدنيا، ثم يأتون لصلاة الظهر، والصلاة شغلهم الشاغل، فمنهم من يقضي ما بين الصلاتين بالعبادة من ذكر وتلاوة وصلاة، ومنهم من يقضيه في العلم والتعليم، ثم بعد صلاة العصر لهم برنامج ذكره ابن القيم في كتابه، فليرجع إليه، ثم بعد المغرب كذلك، ثم بعد صلاة العشاء، يأتي وقت الوظيفة، وإذا أووا إلى فرشهم كما قال ابن القيم: ذكروا أذكار النوم، وهي كما قال: تقرب من الأربعين، ومن منا يستحضر أربعة فضلًا عن أربعين، ابن القيم لما ذكر هذا البرنامج الذي يسير عليه المقربون، أقسم بالله لئلا يُظن أنه يتحدث عن نفسه، والمظنون به أنه يتحدث عن نفسه، هذا الذي يغلب على الظن، ومع ذلك يقسم ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنه ما شمَّ لهم رائحة، هذا ابن القيم هو يرسم هذا المنهج للمقربين، فضلًا عن غيرهم من الأبرار، وأصحاب اليمين.
ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهذه زيادة في الإيضاح والفائدة- ذكر أنهم إذا جلسوا بعد صلاة الصبح يذكرون الله تعالى حتى ترتفع الشمس، يقول: منهم من يصلي، ومنهم من ينصرف دون صلاة، لكن لما ذكر حال الأبرار، قال: إنهم لا ينصرفون إلا بعد الصلاة، يعني صلاة الضحى؛ لأن المقربين ينصرفون من عبادة إلى عبادة، ولن ينسوا صلاة الضحى؛ لأن وقتها الفاضل لم يأتِ بعد، المذكور في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (( صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ) ).
وأما بالنسبة للأبرار فإنهم لا ينصرفون إلا بصلاة؛ لأنهم ينصرفون بعد ذلك إلى أعمالهم في أمور الدنيا، ويخشى أن ينسوا صلاة الضحى.
والظاهر من كلام ابن القيم أنه لا يصحح الحديث الوارد في ذلك، أن من جلس ينتظر طلوع الشمس وصلى الصبح بجماعة، وجلس بمصلاه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
كأنه لا يصحح هذا الخبر، وإلا لو صح عنده لما انصرف أحد لا من المقربين ولا من الأبرار إلا بعد هذه الصلاة، والحديث بطرقه يقوي القول بتحسينه، وإن صححه بعضهم، لكن الكلام لأهل العلم فيه ظاهر، يقوى القول بتحسينه، إذا عرفنا هذا ابن القيم رسم الخطة، ويغلب على الظن لما عرف عنه من عبادات متنوعة، بعضها إذا سمعه القارئ يظنه ضربٌ من الخيال، أو أساطير، مع هذه العبادات المتنوعة يقسم بالله أنه ما شمَّ لهم رائحة.
فماذا نقول إذا كان هذا ابن القيم يقسم بالله أنه ما شم لهم رائحة؟ ونحن نذكر في هذه المحاضرة شيء من عبادات العلماء، وهم من المقربين، فماذا نقول؟
وأعتذر عما قاله الأخ الذي قدم، وذكر ما ذكر مما يخالف الواقع، وليس من عادتي أن أقاطع أحد في كلامه، وإلا لا شك أنه جاوز في الوصف، فأسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عني وعنه وعنكم.
إذا عرفنا هذا فعنوان المحاضرة:"إشراقات"هذا لمن عرف حقيقة الأمر، وإلا فكثيرٌ من الناس يظن أن العبادة والإكثار منها، يعني في عرف عامة الناس ومن في أحكامهم ظلمات، لماذا؟ لأنه يحبس نفسه في مكانٍ ضيق ينزوي به عن الناس، فهو في ضيق، وهذا لم يجرب ما جرب القوم، ولو جرب عرف حقيقة الأمر، وأنها هي السعادة وهي النعيم، وهي جنة الدنيا، التي تحدث عنها شيخ الإسلام وابن القيم، وكثيرٌ من أهل العلم.
عبادات العلماء:
بعد هذه المقدمة أقول: عبادات العلماء: