العلماء الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف هم أهل العلم والعمل، ولا يستحق الوصف بالعالم إلا من عمل، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ثم قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [ (9) سورة الزمر] فدل على أن أهل العلم المستحقين لهذا الوصف هم أهل العمل، فالذين لا يعملون بالعلم ليسوا من أهل العلم.
وفي الحديث المختلف في تصحيحه عند أهل العلم وممن صححه الإمام أحمد -رحمه الله-: (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) )فأهل العلم هم العدول، ومفهومه أن الذين لا يتصفون بهذا الوصف من أهل الفسق والتفريط الذين لا يستحقون الوصف بالعدالة ليسوا من أهل العلم (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) )فالذين لا يعملون بالعلم ليسوا بعدول، إذًا الذي يحملونه ليس بعلم.
ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- له رأي مشهور، ووافقه عليه جمعٌ من أهل العلم: أن كل من عرف بحمل العلم فهو ثقة عدل مرضي؛ لهذا الحديث، كل من حمل العلم فهو عدل لهذا الحديث.
يقول الحافظ العراقي:
ولابن عبد البر كل من عني
فإنه عدلٌ لقول المصطفى
بحمله العلم ولم يوهنِ
يحمل هذا العلم لكن خولفَا
خولفَا ابن عبد البر يعني على فهمه العكسي، الذي فهمناه من الحديث أن الذي ليس بعدل لا يسمى ما يحمله علم، وفهم أن كل من يحمل العلم وله عناية به أنه عدل، لكن الواقع يرد هذا القول؛ لأننا نرى من يحمل هذا العلم ممن هو متصفٌ بالفسق، فكيف يعدل مثل هذا؟ ولذا يقول الحافظ العراقي:"لكن خولفَا"خولف ابن عبد البر في فهمه؛ لأننا نرى ورأينا ورأيتم ممن يُعد من بحور العلم بحسب الظاهر، ومع ذلك علامات وآثار الفسق ظاهرة، هذا في الحقيقة ليس بعلم.
ومن أقوى الأدلة على هذا الفهم قول الله -جل وعلا-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ} [ (17) سورة النساء] هل التوبة خاصة بالجهال الذين لا يعرفون الأحكام، أو أنه لو كان عارفًا بالحكم، يعرف أن الزنا حرام ويزني، يعرف الحكم بدليله، يعرف أن شرب الخمر حرام ويشرب، يعرف الحكم بدليله، ويعرف أن السرقة حرام ويسرق، ويعرف أن الربا حرب لله ورسوله ويرابي، ثم بعد ذلك يتوب؟ نقول: هل هذا مقبول التوبة أو غير مقبول؟ إذا أخذنا الجهالة على عدم العلم بالحكم، قلنا: هذا ليست له توبة، ولم يقل بهذا أحدٌ من العلم {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ} [ (275) سورة البقرة] التوبة تهدم ما كان قبلها، المقصود أن هذا الجاهل المنصوص عليه هو الذي يقدم على المعصية ولو كان عارفًا بالحكم بدليله، فالذي يعصي هذا جاهل ولو عرف الحكم، وهذا لا يشكل معنى الحديث مع وجود من يحمل العلم من غير العدول، فالعلم يقتضي العمل، والعلم ثمرته العمل.
للخطيب البغدادي كتاب مختصر أسماه (اقتضاء العلم العمل) يقول في مقدمته:
"ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية بطلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يُعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما".
لأنه قد تحصل المزاحمة، العلم يحتاج إلى وقتٍ طويل، نقول: اعمل بما علمت، ولن يعوقك هذا عن تحصيل العلم؛ لأنه يكثر السؤال من كثيرٍ من الطلبة يقول: أن العمل قد يعوقنا عن تحصيل العلم، ولا سيما العمل الميداني الذي يتطلب وقتًا، كإنكار المنكرات في الأسواق وغيرها، نقول: سدد وقارب، إذا بلغك عن الله وعن رسوله أمر أو نهي فاعمل به، بادر بالعمل به؛ لأن هذا هو الثمرة.
يقول:"وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته".
لا شك أن عامة الناس يُحسنون الظن بأهل العبادة، وما حصلت الفجوة التي نعيشها بين العلماء والعامة؛ وما حصل من وقوع الناس في أعراض أهل العلم إلا بسبب تقصيرهم في العمل، عامي يحضر إلى المسجد مع الأذان فإذا التفت بعد الصلاة إذا شخص من أهل العلم يقضي بعض الصلاة، هذا نفسه لا توافقه على سؤاله، وإن كان بعضهم يقول: خذ من علمه، ولا تأخذ من عمله، هذا الكلام ليس بصحيح.
وفي صحيح مسلم: جاء شخص من العراق إلى ابن عمر، يريد أن يسأله عما مسألة في المناسك، فقال: عليك بابن عباس، ابن عباس علم وعمل، لكن في مجال العمل لا شك ابن عمر معدود من العباد، وسيأتي شيء من طريقته وعمله، قال: عليك بابن عباس، شهادة حق وإنصاف، فقال: ذلك رجل مالت به الدنيا ومال بها، يعني أنه ليس في زهده مثل ابن عمر، ولا يظن به أنه يزاول المنكرات، أو يأكل مشتبهات، أبدًا، حَبر الأمة وترجمان القرآن، لكن عامة الناس ثقتهم بالعامل، فإذا رأوا من أهل العلم من يظهر عمله عليه على جوارحه وفي سرته وعلانيته يقتدون به.
قال -رحمه الله- بعد ذلك:"وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا".
يعني كل شيء له ضريبة، توسعت في أمر الدنيا يكون على حساب الآخرة؛ لأنها ضرة، ومع ذلك {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [ (77) سورة القصص] لكن كم ممن يقال له هذا الكلام في وقتنا هذا؟ الناس بحاجة حتى من أهل العلم مع الأسف ومن طلابه أن يقال له: لا تنس نصيبك من الآخرة؛ لأنه وجد بعد انفتاح الدنيا، شاهدنا وسمعنا أشياء حتى من بعض من ينتسب إلى العلم شيء لا يخطر على البال، من الانصراف، وإن لم يكن من ذلك إلا انصراف القلب.
يعني إذا حدث، قصة حصلت هذه الأيام أن مجموعة صلوا صلاة الظهر وجهر الإمام وأمنوا، هؤلاء ماذا بقي للآخرة في قلوبهم؟! وسمع من يقول -وهو ساجد-: آمين، لا شك أن هذا سببه الانصراف عن الآخرة، والإقبال على الدنيا؛ لأن القلب ما يحتمل كل هذه الأمور إلا ممن وفقه الله -جل وعلا-.
فشخص من أهل الدنيا ويملك مليارات، يقول: دعانا في يوم من الأيام فإذا بمجلسه غاص بالناس، هل هم الأعيان؟ هل هم الوجهاء؟ هل هم الملأ من القوم؟ لا، كلهم فقراء، وبعد ذلك يجلس وبدون مبالغة، جلس نصفه خارج المجلس ونصفه داخل، متكئ على الباب، وهؤلاء الفقراء في صدر المجلس، ومع ذلك لما وضع الوليمة رفض أن يجلس معي، جلس معهم، وكان من عادته وديدنه أن يدخل المسجد يصلي العصر ولا يخرج إلا بعد صلاة العشاء، يعني هل الآخرة تعوقهم من تحصيل الدنيا؟ في سلف هذه الأمة أثرياء، ومع ذلك هم النجوم في العلم والعمل، وهذا لا يعوق، والدنيا لا تضر إلا لمن رأى أنه استغنى {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [ (6-7) سورة العلق] فإذا رأى في نفسه أنه استغنى الآن وقعت الهلكة، أما إذا كانت الدنيا تحت تصرفه، وفي يده لا في قلبه، فإن هذا نِعَم على نِعَم.
يقول -رحمه الله- في مقدمة كتابه آنف الذكر:
"وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم".
ثم عاد بدأ بنا، قال:"وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما، وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما".
ثم ذكر حديث أبي برزة إلى آخر كلامه -رحمه الله-.