جامع الكتب الذي يجمع من الكتب يملأ الدور بالكتب، لكنه لا يفيد منها، ولا يبذل منها، هذا لا شك أنه ككانز الذهب والفضة. وابن خلدون يقول:"أن كثرة التصانيف من عوائق التحصيل".
وهذا شيء مجرب، جربانه وجربه غيرنا، يعني يحتار الإنسان إذا أراد أن يختار تفسير آية من بين خمسين تفسير، أو ينظر شرح حديث من بين عشرات الشروح، يحتار قبل أن يبدأ، فإذا بدأ قال: لعل فلان تكلم أكثر، ولعل علان تكلم أكثر، ثم يضيع الوقت بمثل هذا، وحدث ولا حرج عما يضيع من الأوقات في ترتيبها، ترتيب هذه الكتب، وتنظيفها، ونقلها من مكان إلى مكان، هذا لا شك أنه شيء عائق عن التحصيل.
وأدركنا شيوخنا ممن ليس لديهم من الكتب إلا الأصول المهمة في ثلاثة دواليب لا تزيد عن ثلاثمائة مجلد، أربعمائة مجلد، ومع ذلكم إذا فُتح أي مجلد وجد عليه أثر، أثر قراءة، وأثر في العلم وأثر في العمل، فليس جمع الكتب مما يمدح به الشخص إذا لم يكن ممن يستفيد من هذه الكتب، ويعمل بما علم، ولذا قال:"هل جامع الكتب إلا كجامع الذهب والفضة".
أثر هذه الكتب إذا دخلت في القلب، ولم يفد منها الفائدة المرضية، كأثر الذهب والفضة، يعني شخص من الأشخاص منهوم بالكتب، ومع ذلك قد تضيع عليه صلاة الجماعة بسبب الكتب، يعني عنده موعد مع شخص عنده كتب يبيع، ثم بعد ذلك يمتطي السيارة مع الأذان ليصلي عنده، فإذا وصل إليه فإذا الجماعة قد صلوا، وهذا كثير، لماذا؟ لأن الوسائل حلت محل الغايات عندنا، وقاصر النظر عن إدراك المطلوب، ولا أريد أن أطيل في مثل هذا؛ لأنها حقيقة مرة نعاني منها، ويعاني غيرنا منها، فالقصد القصد، ولا يعني هذا أن طالب العلم لا يشتري كتب، يشتري ما يحتاجه من الكتب، والكتب متوفرة وميسورة -ولله الحمد-، لكن إما أن يجمع كل كتاب وكل طبعة من كل كتاب! هذا لا شك أنه يعوق عن التحصيل.
ثم ذكر -رحمه الله- حديث أبي برزة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ ) )وهذا هو الشاهد (( وعن علمه ماذا عمل به؟ ) )فهو سوف يسأل عن هذا العلم الذي نام عنه، وكتمه عن الناس، وسئل فلم يجب، ولم يبذله، وقد جاء في الخبر: (( ابن آدم علم مجانًا كما علمت مجانًا ) )وكثيرٌ من أهل العلم يتورع عن بذله، وليس هذا بورع، نعم قد يكون بالنسبة لبعض الناس الذي لا يملك نفسه عن قول: لا أعلم، قد يكون عليه خطر، قد يسأل عما لا يحسن ولا يتقن، ثم بعد ذلك تصاب المقاتل، على الإنسان أن يبذل، ولكن لا يبذل إلا ما يعلم، ولا يتشبع بما لم يعطَ.
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:"هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل".
ولا شك أن العمل هو الذي يثبت العلم، ولذا لو سألت شخصًا يبلغ من العمر خمسين سنة مثلًا، وسألته عن المناسك وقد حج في أول عمره، ما تجده يدرك من أحكام المناسك إلا الشيء اليسير، لكنه يدرك أحكام الصلاة، لا سيما إذا كان لديه أهلية، ومن أهل العلم من أخطأ في كثير من أحكام المناسك؛ لأنه لم يحج، ومنهم من حج بعد تأليفه في المناسك فأحرق ما ألفه؛ لأنه لم يعمل بهذا العلم، ثم لما عمل استنار له الطريق، واتضح له الحق.
وعن الحسن -رضي الله عنه- قال:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني"، يعني الإنسان يدعي ويتشبع ويتصنع لكن هذا لا يكفي"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال".
وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه ) )والحديث لا بأس به جيد.
(( مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه ) )والنصوص في هذا كثيرة جدًا.
ولو لم يكن إلا حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وفيهم العالم الذي يعلم الناس، أفنى عمره في العلم والتعليم، ثم بعد ذلك في النهاية يكون من أول من تسعر بهم النار، وإنما يعلم ليقال: عالم، نسأل الله السلامة والعافية.
فالإخلاص لله -جل وعلا- في العلم أمرٌ لا بد منه، بل هو من أول شروطه، فالعلم من أمور الآخرة المحضة، التي لا تقبل التشريك، وإذا قلنا العلم فالمراد به العلم بالكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة.
مسألة الإكثار من العبادة:
المسألة التي يشار إليها قبل الدخول في الموضوع، مسألة الإكثار من التعبد، من أهل من قال: أنه بدعة، فمثلًا الصلاة لو تتبعنا مما نُص عليه من فعله -عليه الصلاة والسلام- غير الأدلة الإجمالية، وجدناه يصلي الفرائض سبع عشرة ركعة، والرواتب والوتر، فيكون المجموع أربعين، منهم من قال: من زاد على ذلك دخل في حيز الابتداع، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن النصوص العامة والخاصة من فعله -عليه الصلاة والسلام- تدل على خلاف ذلك، نعم من تعبد لله -جل وعلا- بما لم يشرعه مما لم يسبق له شرعية من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه مبتدع؛ لأن البدعة العمل الذي يتعبد به مما لم يسبق له شرعية من الكتاب والسنة، والبدع كلها ضلالة، وإذا اشتغل أحدٌ ببدعة، لا شك أنه على حساب سنة. فليحرص الإنسان على تحرير المقام، فلا يفرط بسنة، ولا يرتكب بدعة؛ لأن بعض الناس قد يقصر في هذا الباب علمه وفهمه، ويزيد حرصه، ثم بعد ذلك يدخل في حيز البدع وهو لا يشعر، ومر بنا ومر بغيرنا أننا قد نتذكر ما حفظناه من بعض الأذكار الصحيحة، فلا نذكر، وقد نذكر بعضها ونترك بعضها، فإذا تأملنا أننا زدنا في أذكار عن الحد المشروع مثلًا من الأذكار المحددة، قد يكون زدنا فيها، ثم بعد ذلك لم نوفق للأذكار الثابتة.
فعلى الإنسان أن يحرص أن لا يعمل عملًا إلا وعنده فيه أصل من الكتاب والسنة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قبل ذلك ما ثبت أصله في الكتاب والسنة كالصلاة والذكر والتلاوة والصيام والحج والإنفاق في سبيل الله، والجهاد والدعوة وغير ذلك، هذا كلها أصولها ثبتت في الكتاب والسنة، فالإكثار منها على الهيئة المشروعة في الأوقات التي جاءت من قبل الشارع، جاء عدم المنع منها ليس ببدعة، للأدلة العامة والخاصة التي تذكر، بل الممنوع من ذلك كما تقدم في حد البدعة ما لم يسبق له شرعية من كتاب أو سنة.
الاجتهاد في التعبد حسب الطاقة ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقد قام -عليه الصلاة والسلام- في الليل حتى تفطرت قدماه، وصلى بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران بركعة واحدة، فماذا عن بقية الصلاة؟ ماذا عن الركوع والسجود؟ فإطالة الصلاة مطلوبة؛ لأنها ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكثرة الركعات أيضًا مطلوبة؛ لأنه ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- الإطلاق (( صلاة الليل مثنى مثنى ) )وثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه أجاب من سأله مرافقته في الجنة فقال: (( أعني على نفسك بكثرة السجود ) )وهذا يتطلب إكثار من الركعات، فالتطويل ثبت بفعله -عليه الصلاة والسلام-، والإكثار ثبت بقوله وحثه -صلى الله عليه وسلم-.