فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 788

وأضاف المتخصص المعاصر في الدراسات الزمنية إدوارد هول (Hall) في تفسير هذه الظاهرة: ان الساعة الخارجية والساعة الداخلية ـ البيولوجية ـ للانسان تسيران في إيقاع متزن، وفي حالة القلق يختل الإيقاع فيشعر الانسان أن الوقت لا يمرُّ، وأنه ثقيل ومملّ.

وفي هذا المعنى تذكر دراسة حول الزمن والبرمجة أنه: (كلما أسرعت كلما تقلص الزمن. وإذا كنت خائفًا أو حزينًا فإن الزمن يمتد؛ أما إذا كنت فرحًا مسرورًا فإنني أنسى الزمن) .

وأي وقت أكثر ضيقًا وقلقًا وحسرة على الانسان الكافر من يوم الحساب، وهكذا لن يكون في الزمن أثقل على الانسان من هذا اليوم العصيب: (المُلك يومئذ الحق للرحمن وكان يومًا على الكافرين عسيرًا) الفرقان/ 26.

إذن هذا هو النوع الأول من أنواع الزمن النفسي، وفيه يحس الكافر بثقل الزمن، ويكون خفيفًا على المؤمن؛ أما النوع الثاني فهو خلاف الأول:

2 ـ ساعة من نهار: في مجمل الآيات الماضية من 4 إلى 9 نرى أن الكافرين يسألون أو يُسألون عن مدة لبثهم في الدنيا، فلا يقدرون حقيقتها، أما الذين يعلمون حقيقة هذه المدة فهم الذين أوتوا العلم من المؤمنين: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) الروم/ 56.

فالكفار يظنون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا (ساعة من نهار) ، أو (قليلًا) من الوقت، أو (بعض يومٍ) ، أو (عشية) ، أو (ضحوة) ، أو على أكثر التقديرات (يومًا) كاملًا من أيام الدنيا.

وهذا التقدير الخاطئ ما هو إلا ظن: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلًا) ، فهو تقدير غير صائب، منشؤه الإحساس النفسي بالمرور السريع للأيام والليالي، والسنين والقرون والأعمار والآماد.

والذي جعل هذه الأزمنة تسرع كل هذا الإسراع هو كونهم كانوا في لهو ولعب: (ولئن سألتهم ليقولن إنما) بالحصر (كنا نخوض ونلعب) التوبة/ 65؛ (الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا) الأعراف/ 51، (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران/ 185.

وقد أثبتت دراسات ميدانية أن الغرائز والمشاعر الجنسية (Emotions) عندما تثار، فإنها تكون سببًا لتسارع زمني مهول، وقد أعطيت لهذا التسارع تفسيرات نفسانية وفزيولوجية وعصبية، ومهما يكن فإن الذين يقضي حياته كلها في بحر من الغرائز يحدث خللًا فاحشًا في تقدير الزمن، وهذا ما يفسر هروب الشباب والأحداث من وطأة المشاكل باللجوء إلى شتى أنواع الغرائز، حتى أكثرها حيوانية، والله تعالى يقول عن هؤلاء: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) الفرقان/ 44، (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهب أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف/ 175-176.

ومن مظاهر اللهو والعب: الضحكُ، الذي اتخذ علاجًا للقلق، إذ يعطي للمرء إحساسًا بالسعادة، وبالتالي يخفف من وطأة الوقت الثقيل عليه، حتى يتسارع ويخفّ ويمرّ دون أثر يذكر. فلذلك كان قليله مطلوبًا، وكثيره حرامًا.

وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) : (لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) . وما موت القلب إلا جهل بمرور الوقت وبقيمته وقدره، وهروب من تبعات الحياة وآمالها وآلامها.

ولعل ما يقع في العالم اليوم من غزو وسائل الترفيه واللعب والمتعة المفرطة على حسب الجد والعلم والتحصيل، هو من قبيل هذا النوع من وسائل قتل الوقت، فهي تجعل من زمن الانسان هباء منثورًا، ثم تورثه يوم القيامة حسرة وثبورا.

وفي اللغة المستعملة ـ عند عامة الناس ـ دليل صريح على ذلك، فأنت عندما تسأل انسانًا جالسًا في ملهى أو مقهى: ماذا تفعل هنا؟ فإنه يجيبك: أنا أقتل وقتي.

إذن مجمل ما في هذا النوع من الزمن النفسي: أن الكافر لا يقدِّر عمره في الدنيا حق قدره، فالكفار وإن عاشوا مائة عام، أو حتى ألف عام فإنهم (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) .

3 ـ تقلص الزمن: المظهر الثالث من مظاهر الزمن النفسي في القرآن الكريم هو تقلص الزمن في حالة الخطر، وبالضبط في حالة توقع الموت، وهذا التقلص كان مثار انتباه الباحثين في الدراسات الزمنية، حتى إنهم أثبتوا أن الموت عندما يحيط بانسان يجعله يستعرض شريط زمنه كاملًا في ثوان معدودة.

فبين القدر الحقيقي للزمن الذي عاشه في هذه الحادثة: بضع ثوان، والزمن الذي استعرضه: أعوام عديدة، ليس هناك أي تناسب رياضي، ومن ثم لا يمكن أن يعتبر هذا النوع من الزمن زمنًا نسبيًا بالمفهوم الفزيائي، بل هو نسبي بالمفهوم النفسي وفي مستوى الإحساس والشعور لا غير.

وفي القرآن الكريم آية تدعم هذا الحكم، وهي تصف لنا إحساس المشرك بالزمن حين حضور الوفاة، فهو يرى عمره كاملًا كأنه ساعة: (ويوم تقوم الساعة) وقد تكون ساعة خاصة أو ساعة عامة (يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) .

وفي آية سورة النازعات إضافة تتمثل في الفعل: 0يرى)، الذي يفيد تحقق الموت والهلاك: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) .

إذن هذه هي مواصفات الزمن النفسي، هو كما يلاحظ غير الزمن المبارك، ويختلف عن الزمن النسبي كذلك بكونه زمنًا ذاتيًا، علاقته كاملة مع الإحساس والشعور والنفس والمجالات الذاتية، وليس مع المقاييس، والأحداث الكونية، والمجالات الموضوعية.

وفرق آخر بين الزمن النفسي والزمنين الآخرين هو أن الأول يوصف بالصدق والكذب، وبالخطأ والصواب، فيقال: صدق فلان في تقدير الفترة الفلانية، أو لم يصدق؛ ويقال: أخطأ أو أصاب. أما الزمن المبارك والزمن النسبي فلا يوصفان بالكذب، إذ هما زمنان حقيقيان ثابتان لا شك فيهما.

*المصدر: مفهوم الزمن في القران

هل يمكن أن يترك إناء العمر فارغًا؟

مؤسسة البلاغ

نشك في ذلك,فحتى الأيام الخالية من العمل,المتصرمة في اللهو والعبث تملأ الكأس العمرية بآهات وحسرات وندامات في يوم أطلق عليه الله تعالى بـ"يوم الحسرة والندامة".وهو يوم يجمع فيه الناس بين يدي رب العالمين - منذ آدم وحتى آخر مخلوق - ليحاسبهم:كيف صرفوا وتصرفوا بالأمانة المودعة لديهم"أعمارهم"؟!

هل قضوها بالجد والاجتهاد والعمل الصالح وفعل الخيرات؟ أم بالأعمال الطالحة المسيئة والفاسدة التي تؤدي الى حسرات طويلة وندم أطول؟ أم خلطوا عملًا صالحًا بآخر سيئًا.فكانوا من الأخسرين أعمالًا,كذلك التاجر الذي يكد العمر كله ثم يجد نفسه في النهاية مفلسًا؟!

أهمية الوقت

لو بحثنا عن خير من يقيم لنا الوقت,هل نجد غير صانع الوقت نفسه وهو الله سبحانه وتعالى ؟!

فهذا التقسيم الدقيق للثواني والدقائق والساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنوات هو أشبه شيء بألواح محروثة في حقل.والفلاح هو أنا وأنت,وبقدر همة كل فلاح يأتي المحصول,وعند الحصاد يفرح الفلاح المجد النشيط,ويخسأ الفلاح الخامل البليد.ولذا جاء في الحديث:"الدنيا مزرعة الآخرة".فمن يزرع تفاحًا يحصد تفاحًا,ومن يزرع بصلًا يحصد بصلًا,ومن يزرع وردًا يجني وردًا,ومن يزرع شوكًا يحصد شوكًا,ومن يزرع الكسل يحصد الندامة.

إن الله العزيز وهو يقسم بالفجر وبالعصر وبالنهار وبالليل,إنما ليلفت أنظارنا الى أن الشيء المقسوم به هو على كل غاية كبرى من الأهمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت