فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 788

ولكن يواجه هذا المشروع مشكلات كثيرة مثل: تحديد إطاره الجغرافي؛ فهناك دعوات لأن يضم دول المغرب العربي الخمسة فقط بالإضافة إلى البرتغال وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا ومالطا، وهناك دعوات لإطار أوسع ودعوات لنظام أكثر سعة مما أدى لإرباك الدعوة وعدم نجاحها.

وبعد حرب الخليج الثانية أيضًا ظهر"إعلان دمشق"الذي تناول فيه مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر وسوريا إلى الاجتماع في دمشق، وانتهى الاجتماع بإصدار"إعلان دمشق"الذي أعلن بناء نظام عربي جديد، ولكن هذه الصيغة لم تستطع الصمود أمام تطورات الوضع في المنطقة، وهناك مشروع الشرق الأوسط الذي تم تطويره إلى"الشرق الأوسط الكبير"وهو المشروع الذي يعد له الفكر الصهيوني منذ إنشاء دولة إسرائيل في الأربعينيات، ويعد شيمون بيريز أبرز منظريه والمشرفين عليه في الوقت الراهن.

وترى أمريكا وإسرائيل أن جميع الظروف مهيأة الآن لانطلاق هذا المشروع والذي تكون فيه إسرائيل هي القائدة حيث سيعتمد على التكنولوجيا الصهيونية والأيدي العاملة والسوق العربية ورغم أن هناك إلحاحًا أمريكيًّا لتمرير هذا المشروع إلا أن الوجود الإسرائيلي سيفسده والأمة تواجهه بكل عنف وخاصة على مستوى الفصائل الإسلامية، ولن ينجح إلا مشروع ينبت من داخل العالم العربي تقوده مصر والسعودية وسوريا ويحظى بإجماع الدول العربية أو غالبيتها ليعالج ويصحح مكامن الضعف في النظام الحالي.

الفراغ طريق الانحراف

الاتجاهات والعوامل الاجتماعية المفسرة للانحراف:

إن أوقات الفراغ إذا لم يُخطط لها بشكل صحيح، بحيث يكون عطاؤها إيجابيًا، يضمن سلامة الفرد والمجتمع، فسوف تنتهي إلى مسالك الانحراف التي يدمر الإنسان فيها ذاته ومجتمعه، لذلك فالعلاقة قد تكون تلازمية بين أوقات الفراغ وما قد تنتهي إليه من الضياع الذي يؤدي إلى الانحراف.

وقد عزت بعض الأدبيات التي تناولت الانحراف بشكل عام وانحراف الأحداث بشكل خاص، أسباب ذلك إلى البيئة الأسرية وما يكون فيها من تفكك أسري، أو سوء تنشئة.. إلى غير ذلك. وهناك من عزاها إلى جماعة الرفاق وأثرها على الحدث، وما ينتج عنها من مخالطة واكتساب لقيم ومعايير تلك الجماعة، ومدى تقمص الحدث لتلك المعايير، ومن ثم ترجمتها إلى سلوك عملي.. في حين أرجعت أدبيات أخرى أسباب الانحراف إلى الظروف الاقتصادية لأسر الأحداث، بينما أكد آخرون أن انحراف الأحداث إنما يعود بدرجة كبيرة إلى (وقت الفراغ) الذي يعيشه الحدث، باعتبار أن ذلك الوقت يهيئ المناخ المناسب للانحراف من خلال ما يمارس فيه من أنشطة قد تكون سلبية، أو انحرافية.

وذكر بعض الباحثين أن مكان قضاء وقت الفراغ ونوعية المشاركين للحدث في قضاء ذلك الوقت، يعدان عاملين من عوامل الانحراف، فقد أشارت بعض الدراسات التي أجريت في بعض الدول العربية عن متعاطي المخدرات، إلى أن أغلبهم كانوا يشغلون وقت فراغهم، إما في الطرقات العامة، أو في الجلوس في المقاهي الشعبية عندما كانوا في مرحلة الشباب من عمرهم (1) .

وخلصت دراسات أخرى أجريت حول علاقة وقت الفراغ بالانحراف إلى النتائج التالية:

أ- أن أغلبية الأفعال الانحرافية يرتكبها الفرد أثناء وقت الفراغ.

ب- أن نسبة كبيرة من الانحرافات ترتكب بقصد الاستمتاع بوقت الفراغ أو الحصول على وسائل تهيئ الاستمتاع بهذا الوقت (2) .

ويؤكد باحثون آخرون أن كثيرًا من المشكلات السلوكية يرتبط بوقت الفراغ، وأن نسبة كبيرة من انحراف الأحداث تحدث خلال ذلك الوقت (3) .

ويملك الحدث في السعودية -على سبيل المثال- وقت فراغ كبيرًا في حياته اليومية، ذلك أن المهمات الأساسية في حياته اليومية (الدراسة، النوم، الأكل، الحاجيات الضرورية) لا تتطلب منه أكثر من (20) ساعة بأي حال من الأحوال، وهذا يوفر للحدث أربع ساعات فراغ يوميًا (4) يقضيها بطرق مختلفة (اللعب; اللهو; المطالعة; الأنشطة الرياضية.. إلى غير ذلك) ، وينطبق هذا التقدير على الحدث المنتظم في الدراسة، أما نظيره غير المنتظم في دراسته، فسيتوفر لديه وقت فراغ أكبر بكثير.

وقد لاحظت من واقع خبرتي العملية في إدارة رعاية الأحداث بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في المملكة العربية السعودية أن أكثر من خمس الأحداث المودعين بدور الملاحظة الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية خلال الأعوام (1409، 1410، 1411هـ) غير منتظمين في الدراسة (5) ، وهذا مما يثير ويؤكد أهمية التساؤل حول علاقة وقت فراغهم بانحرافهم.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المبحث في محاولة لإلقاء بعض الضوء على العلاقة بين كيفية قضاء وقت الفراغ والانحراف، والاتجاهات والعوامل الاجتماعية المفسرة للانحراف.

الاتجاهات والعوامل الاجتماعية المفسرة للانحراف*

أولًا: الاتجاهات الاجتماعية المفسرة للسلوك المنحرف:

يتجه الدارسون للسلوك المنحرف لتفسيره انطلاقًا من تخصصاتهم العلمية، فعالم النفس ينظر ويفسر ذلك السلوك من الزاوية النفسية البحتة، وكذا عالم القانون في تفسيره للسلوك المنحرف، إذ ينظر إليه من الزاوية القانونية، وكذا كل متخصص.

وحيث إن دراستنا هذه اجتماعية بالدرجة الأولى فإن منطلقها لتفسير السلوك المنحرف هو الجوانب والاتجاهات الاجتماعية التي حاولت أن تفسر هذا السلوك.. وكما هو معلوم فإن الاجتماعيين اهتموا بدراسة الجريمة بوصفها ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، فالسلوك الإجرامي ما هو إلا إفراز من إفرازات المجتمع، ولقد تتابعت تلك الدراسات التي تربط بين ذلك السلوك الإجرامي وبين مكونات البيئة الاجتماعية المحيطة به، حتى تكوّن ما يسمى بالمدرسة الاجتماعية، على غرار المدرسة النفسية والمدرسة البيولوجية... إلخ.

ولقد كتب للمدرسة الاجتماعية أن تسود، ويصبح لها الأثر الواضح في تفسير السلوك المنحرف أكثر من غيرها من المدارس الأخرى، فهي أكثر انتشارًا بين علماء الإجرام المعاصرين، خاصة في المدرستين الأمريكية والسوفيتية (6) ، وهذا الانتشار الواسع لتلك المدرسة جعلها تفرز أكثر من اتجاه يتناول ظاهرة السلوك المنحرف بالتفسير، وأبرز تلك الاتجاهات:

1-الاتجاه الثقافي (الاختلاط التفاضلي) .

2-الاتجاه الاقتصادي.

3-الاتجاه البيئي (الأيكولوجي) .

4-الاتجاه التفاعلي (الوصم) .

(1) الاتجاه الثقافي (الاختلاط التفاضلي) :

يعتبر العالم الأمريكي (أدوين سذرلاند) رائد الاتجاه الثقافي بنظريته التي أخرجها في عام 1939م، في كتابه مبادئ علم الإجرام، وتعد تلك النظرية من أكثر النظريات الاجتماعية شهرة في علم الإجرام، ذلك أن النظرية بنيت على تحليل نفسي اجتماعي لطبيعة بيئة الجماعة وأثرها على سلوك أفرادها، إضافة إلى أنها تتضمن صياغة منطقية ترتيبية لسلسلة من العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الأفراد (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت