فهذه النظرية تنظر للفرد على أنه جزء من جماعته التي ينتمي إليها، وبالتالي فهو يتبنى كل مواقفها وتصرفاتها واتجاهاتها، ومن هنا فهو يتعلم كراهية القانون أو عدم احترامه من خلال نظرته لموقف جماعته من هذا القانون، فكراهية جماعته للقانون أو عدم احترامها له تجعل الفرد يخالف القانون كلما سنحت له الفرصة، انطلاقًا من تصوره أن هذا الفعل مألوف لدى جماعته وغير مستهجن.. وعلى العكس من ذلك قد يتربى الفرد على احترام القانون وعدم مخالفته إذا كانت جماعته التي ينتمي إليها تحترم ذلك القانون ولا تخالفه، ومن هنا تتضح حالة التفاضل بين احترام القانون أو عدم احترامه.. وتتوقف تلك الحالة التفاضلية من قبل الفرد على نوعية وماهية التركيب الاجتماعي الخاص بكل جماعة، ومواقفها بالنسبة للقانون، ومدى احترامها له من عدمه (8) .
ويقدم (أدوين سذرلاند) نظريته على صورة تفسيرية للعملية التي تؤدي بالفرد إلى السلوك الانحرافي، من خلال تسعة منطلقات أساسية، هي (9) :
1-السلوك الانحرافي يكتسبه الفرد بالتعليم ولا يورث، فالفرد الذي لم يتدرب على الجريمة لا يفعل الجريمة ابتداءً من نفسه، مثله مثل الفرد الذي لا يتعلم الميكانيكا فإنه لا يستطيع أن ينتج أي مخترع ميكانيكي.
2-تتم عملية تعلم السلوك الانحرافي بالاتصال الاجتماعي وبالتفاعل بين الفرد وأشخاص آخرين في المجتمع، وقد يكون هذا الاتصال لفظيًا بالقول، وقد يكون بالإشارات أو الحركات ذات الدلالات المتعارف عليها.
3-تتم عملية تعلم السلوك الانحرافي في وسط الجماعات التي يكون بين بعضها بعضًا علاقات متينة، تهيئ الاتصال الشخصي المباشر بين أفرادها بدرجة كبيرة. وفي هذا إشارة إلى أن وسائل الاتصال العامة لا تؤدي دورًا كبيرًا في تكوين السلوك الانحرافي، باعتبار أنها ليست وسائل اتصال شخصية مباشرة، بل وسائل اتصال عامة.
4 -عملية تعلم السلوك الانحرافي لدى الفرد تشمل جانبين اثنين:
أ- فن ارتكاب الجريمة ويشمل: التخطيط، التحضير، وطرق ارتكابها، ووسائل إخفائها، بغض النظر عن تعقيد تلك العملية أو بساطتها.
ب- الاتجاهات الخاصة للدوافع والميول التي تقود الفرد إلى السلوك المنحرف، وإلى التصرفات الإجرامية، والتبريرات التي تعطى لهذه التصرفات.
5 -تتم عملية تعلم الاتجاه الخاص للدوافع والميول من الأشخاص الذين يحيطون بالفرد، واتجاهاتهم نحو نصوص القانون من حيث مناسبتها أو عدم مناسبتها، ففي بعض المجتمعات قد يحاط الفرد بأشخاص يرون وجوب احترام نصوص القانون، وقد يحاط في مجتمع آخر بأشخاص يرون عدم الغضاضة في انتهاك القانون، والفرد في كلا الموقفين يتعلم ممن يختلط بهم، أما إذا كان هناك انقسام في الرأي بين الجماعة التي تحوط الفرد تجاه القانون، فهنا يبدأ الفرد يعيش الصراع الثقافي حول مدى مناسبة نصوص القانون من عدمه.
6 -يبدأ الفرد بالانحراف حينما تترجح لديه كفة آراء الجماعة التي لا ترى غضاضة في انتهاك القانون على كفة آراء الجماعة التي ترى احترام القانون.
7 -تتباين العلاقات التفاضلية نسبيًا بحسب أربع عمليات:
التكرار، الاستمرارية، الأسبقية، والعمق.
فالتكرار: يعني كمية التعرض للموقف.
والاستمرار: يعني مدة ووقت التعرض للموقف.
والأسبقية: تعني الأقدمية عمريًا في التعرض لذلك الموقف.
والعمق: ويرتبط بعدة أمور، مثل مكانة وأهمية النمط الذي يتعلم منه الفرد سلوكه.
8 -تتضمن عملية تعلم السلوك المنحرف كل الآليات التي يتضمنها أي تعلم آخر، وذلك يعني أنها ليست عملية تقليد مجرد.
9 -يعبر السلوك المنحرف عن حاجات وقيم عامة، ومع ذلك فإنه لا يفسر بهذه الحاجات والقيم، لأن السلوك السوي هو أيضًا يعبر عن الحاجات والقيم نفسها.
ورغم أهمية تلك النظرية وما حظيت به من اهتمام من قبل العلماء بشكل لم تنلْه أية نظرية أخرى، إلا أنه وجِّه لها بعض الانتقادات من قبل العلماء، حيث طالب بعضهم بإدخال تعديلات أو إضافات إليها.
ومن أبرز هذه الانتقادات:
1-أنها أغفلت الإرادة الحرة للفرد، واعتبرته عاجزًا عن التحكم في أفعاله، وأنه مجرد ترس داخل المجتمع الكبير الذي يعيش فيه، لا حول له ولا قوة.
2-توقفت عند حد القول: بأن الاختلاط بالمجرمين يقود إلى الجريمة، ولم تحفل بدراسة العوامل التي تدفع الشخص إلى ذلك الاختلاط، في الوقت الذي لم ينزلق غيره إلى عين السبيل (10) .
3-منطق النظرية مؤداه اعتبار رجال الشرطة والقضاة والباحثين في علم الإجرام أشد الناس إجرامًا، بسبب اختلاطهم المستمر بأولئك المجرمين.
4-تستخدم النظرية عددًا من المتغيرات مثل العمق، والتكرار، والاستمرار، المخالطة، والأسبقية، وهذه يتعذر قياسها علميًا أو اختبارها تجريبيًا (11) .
5-تعجز النظرية عن تفسير بعض أنواع السلوك الإجرامي، أو بمعنى آخر هي تصلح لتفسير الجرائم العادية أو المعروفة والتي يلعب فيها التفكير والاعتقاد دورًا أساسيًا، ولكنها لا تصلح لتفسير الجرائم التي يلعب فيها الانفعال والصدفة الآنية دورًا أساسيًا (12) .
6-لا تدخل النظرية في اعتبارها الاختلافات بين الأفراد في الصفات الشخصية أو النواحي العضوية والنفسية والعقلية، وأثر ذلك على اختلاف تأثر الفرد بالمؤثرات الخارجية.
7-ارتكازها على عامل واحد في تفسير السلوك المنحرف.
2-الاتجاه الاقتصادي:
يعتبر الجانب الاقتصادي في حياة الأمم المعاصرة عاملًا أساسيًا في تقدم أو تأخر الأمم، ولأهمية ذلك الجانب عده بعض الباحثين من أمثال (كيتليه) و (ميشيل فري) و (بونجر) و (سيرك بيرت) عاملًا من العوامل المهمة الموجهة للسلوك الإنساني، ويؤثر عليه تأثيرًا يلمسه كل دارس للسلوك الإنساني.
لذا لا غرابة أن يظهر من العلماء من يربط بين الانحراف السلوكي وبين التغيرات الاقتصادية المختلفة، مثل الغنى أو الفقر، وفترة الرخاء أو فترة الكساد الاقتصادي، أو البطالة.
وهناك من يرى أن الظروف الاقتصادية للمجتمع هي من أول الظواهر الاجتماعية التي وقف عندها المفكرون قديمًا وحديثًا حين دراستهم لظاهرة الجريمة، ابتداءً من فلاسفة اليونان وحتى العصر الحديث، إذ نالت الظروف الاقتصادية الحظ الأوفر من اهتمام الباحثين ودراساتهم.. ومن أوائل الدراسات الإحصائية لتأثير الظروف الاقتصادية على الجريمة تلك الدراسة التي قام بها (أدولف كيتليه) (Adolf Quetelet) (13) .
ويفترض هذا الاتجاه أن هناك ارتباطًا بين السلوك المنحرف والظروف الاقتصادية المختلفة، مثل حالة الفرد الاقتصادية، سواء الغنى أو الفقر وكذلك البطالة، وخروج الأحداث للعمل في سن مبكرة، وخروج الأم للعمل، وطبيعة النظام الاقتصادي في البلاد، إضافة إلى أنه مع تطور الأمم اقتصاديًا وتنوع الجوانب الاقتصادية، يقوم المجتمع بفرض قوانين تحفظ النظام الاقتصادي وتوقع العقوبات على مخالفيها، وهذا مما يؤدي إلى ظهور جرائم جديدة (14) .
وسنذكر كل جانب من جوانب الظاهرة الاقتصادية والعلاقة بينها وبين السلوك المنحرف: