3-أهمية النفع والإنتاج:المفهوم الإسلامي يوضح أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنها ممر والآخرة مقر، وأن المسلم عليه أن يعمل لأخراه، وأن يحقق النفع في دنياه، وأن يحسن عمارة الدنيا وقيادة الحياة:"وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه" [الجاثية:13] ،"هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" [الملك:15] ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على النفع العام فيقول:"ما من مسلم يغرس غرسًا"البخاري (2320) ، ومسلم (1552) فأمتنا الإسلامية اليوم متأخرة عن غيرها في العلم والعمل والإنتاج، لتفريطها في اغتنام الأوقات، والجد في الأعمال، فحري بكل مسلم أن لا يضيع وقته، أو يقصر في عمله، أو يقلل من إنتاجه .
وفي ضوء ما سبق فإن الترفيه واللهو إن كان مباحًا فينبغي أن يراعى فيه ما يلي:
1-أن لا يشغل عن عبادة وطاعة واجبة بتضييعها أو تأخيرها .
2-أن لا يستغرق أوقاتًا طويلة تضيع سدى دون فائدة .
3-أن لا يتخذ ديدنًا وعادة يفرغ لها وقت دائم ومنتظم .
4-أن لا يشغل عما هو أولى منه وأكثر أهمية في تحقيق المصالح الدينية والدنيوية .
5-أن لا يصاحبه محرمات كالرهان والقمار أو السباب والخصام ونحو ذلك .
وأما بالنسبة للسؤال عن الدومينو فإن كان المقصود بها اللعبة المشهورة باسم ( الضومنة أو الدومنة) التي فيها قطع بيضاء كل واحدة مقسومة إلى قسمين فيها نقاط سوداء تبدأ من الصفر وتنتهي إلى ستة فهذه اللعبة على الطريقة المعتادة فيها ليست محرمة، وفيها بعض الذكاء للوصول إلى الفوز، كما أن فيها مع الذكاء التعاون للوصول إلى الفوز، في حالة لعب أربعة أشخاص كل اثنين منهم فريق .
وإما إن كان المقصود بالدومينو اللعبة التي فيها مربعات وقطع محددة ذات لونين لكل لاعب لون وتتحرك هذه القطع في مسار قطري يكون الفوز لصاحب القطع التي تأكل أو تخرج القطع الأخرى شيئًا فشيئًا حتى تخرجها جميعًا ففي هذه اللعبة ذكاء وتيقظ والذي يظهر أنه لا حرمة فيها .
وأما إذا اقترن باللعبة - على كلا المعنيين السابقين - رهان كأن يقال المهزوم يدفع كذا وكذا من المال فهذا حرام، أو تفرض أمور غير لائقة أو فيها ضرر كأن يقال المهزوم يخلع ثيابه أو يبقى واقفًا ونحو ذلك فهذا يدخل في دائرة المكروه لاشتماله على إيذاء المسلم أو إهانته، وكذلك إذا اشتملت اللعبة دائمًا على نزاع وخصام وسب وشتم ونحو ذلك فالمنع لأجل هذه الأمور .
وعلى العموم فالمسلم صاحب الرسالة وحامل الأمانة ومبلغ الدعوة لا ينبغي أن ينشغل بهذه الألعاب ولا أن يضيع وقته فيها وعليه - إن كان ولا بد - أن يقتصر على أقل ما يمكن ليحصل له الترفيه ويقبل على العمل والجد والانشغال بمعالي الأمور وحمل همّ الأمة والحماس لإصلاح الأحوال.
وأخيرًا نذكر بأن أعداءنا والمتأثرين بهم من أبنائنا قد بالغوا في الترفيه واللهو بتنويع وسائله وتكثير برامجه وتطويل أوقاته فضلًا عن اشتماله - في الغالب - على المحرمات الكثيرة، وأصبحت صناعة الترفيه - وخاصة في القنوات الفضائية - مالئة الدنيا وشاغلة الناس، فضيعت أوقاتهم وأفسدت أخلاقهم وبددت طاقاتهم، وقد تزايدت هذه الوسائل وتفننت في الإغراء والإغواء والابتكار الذي يجذب إليها ويشغل بها، والمسلم ينبغي له أن يجتنب كل محرم ويترفع على كل تافه من الأمور والاهتمامات .
والحمد لله رب العالمين ونسأل الله جل وعلا أن يهدي الجميع إلى سواء السبيل .
الحركة الإسلامية .. ما بعد المراجعات
جمال سلطان 12/8/1424
الحركة الإسلامية في جوهرها ظاهرة اجتماعية، تفرزها أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية في لحظة تاريخية معينة، وتصبغها بصبغتها، بكل ما يعمل فيها من مشكلات وقضايا وتحديات وطموح مجتمع ، صحيح أن الوجهة تختلف في الاختيارات ولكن الصبغة العامة ومدارات العمل والوعي تصبغ الجميع بصبغتها، ولذلك وجدنا أن الحركة الإسلامية في مرحلة السبعينيات الميلادية تختلف إلى حد كبير عن الحركة الإسلامية قبل عام 1952 حيث وقعت حركة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، الحركة الإسلامية قبل الثورة كانت تصطبغ بصبغة البراءة التاريخية لمجتمع بكامله، يعيش لحظات القلق من غياب دولة الخلافة وظلالها الروحية الجميلة، رغم خوائها منذ عقود، ويبحث عن مستقبل جديد للإسلام والمسلمين، وهو الأمر الذي هز المجتمع في مصر والجزيرة العربية والشام والهند والمغرب العربي، كما كانت هناك تحديات وجود الدولة تحت الاحتلال الصريح، كذلك وجود حياة سياسية تعددية وانفتاح صحافي مع تقاليد وقيم لها قدسيتها لدى الجميع، وحوار ثقافي كبير وتوازنات في القوى بين كتل كبيرة: القصر والوفد والإنجليز، وتحديات طارئة ولكن مصيرية، مثل: الحرب في فلسطين، وتنامي العمل السري والعلني في الحياة السياسية، ومستوى في العنف والعنف المضاد بين القوى المعارضة والسلطة سرية وعلنية في حدود آمنة إلى حد كبير حيث لم تعرف الأمة مستويات التعذيب المروعة التي عرفتها بعد ذلك وأصبحت عرفًا في عمل الأجهزة الأمنية وتقليدًا من التقاليد، كما كان هناك انبعاث قوي لمؤسسة قضائية فتية ولكنها مستقلة، وأوجدت لها في وقت قصير تقاليد وهيبة، وعرفت ـ كما عرفت مؤسسات أخرى ثقافية وغيرها ـ شخصيات من الوزن الثقيل والتاريخي، كل هذه الأجواء صبغت الحركة الإسلامية قبل الثورة بصبغتها، حيث كانت حركة دينية تثقيفية لها تقاطعاتها السياسية بشكل عرضي وليس جوهريا ، ولها حساباتها ومصالحها التي حاولت اللعب عليها بين توازنات القوى القائمة، كما كان لها توجه متأخر للعمل العسكري الذي يحمل مشروعية وطنية في ذلك الوقت بحكم وجود قوى احتلال ووجود التحدي الصهيوني الجديد في فلسطين ، ولكن ربع القرن الأول الذي عاشته الحركة منذ تأسيسها إلى قيام حركة 52 ، لم يساعد أبدًا على بلورة رؤية واضحة لمشروع متكامل، ولا مناهج عمل، ولا أفق مستقبلي يستوعب حال الأمة وحال التحولات الدولية الجديدة، كان ربع قرن بمثابة البحث عن طريق وعن هوية وعن صيغة للوجود في المجتمع الجديد، وهو الأمر الذي يلحظ الباحثون انعكاسه في كتابات وأحاديث الشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ، وموقفه من الأحداث ومن الشخصيات ومن الأحزاب ومن القصر، وتأملاته في رسالة الإخوان وأهدافهم وفي كل ذلك تباينات في الرؤية والموقف يراها البعض تناقضًا، ولكنها ليست تناقضًا بقدر ما هي حال قلق فكري ورحلة البحث عن طريق وعن أفق جديد للأمة في مرحلة ما بعد الخلافة ، كانت حركة الشيخ البنا في حالة تبلور دائم ، لأنها حالة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإسلام من قبل ، وأتت حركة 52 والصدام الكبير لحركة الضباط الأحرار مع الإخوان وحقبة السجون، وتغييب الحركة قرابة ربع قرن آخر داخل أقبية السجون في عزلة تامة عن الواقع وعن العالم؛ لكي يقطع هذا التنامي في الوعي ويمنع بلورة الرؤية المأمولة، وتتحول تأملات الحركة إلى الانكفاء على الماضي ومحاولة استحضاره للحفاظ على الوجود .