عندما خرجت الحركة الإسلامية من غياهب السجون في بداية السبعينيات على مراحل انتهت في عام 75 ، خرجت مثقلة بأمور كثيرة ، منها غياب الرؤية للمستقبل، وعدم بلورة منهجية للعمل الاجتماعي والسياسي، ومنها غياب الفهم للواقع الجديد والتحولات التي طرأت على المجتمع المصري ، ومنها انقطاع تراكم الخبرة في العمل الدعوي والعمل الفكري والتواصل مع فعاليات المجتمع المختلفة، بالمقابل كان النظام السياسي الجديد الذي قاده الرئيس السادات يريد ـ كعادة النظم الجديدة ـ أن يعلن عن انتهاء حقبة بصراعاتها وحساسياتها ودخول حقبة جديدة بعيدة عن ثارات الماضي وصراعاته السياسية ، فكان من الطبيعي أن يبعث برسائل إيجابية إلى قيادة الإخوان المسلمين يطمئنهم على وقف الملاحقات وإفساح المجال لهم للنشاط الاجتماعي والديني والسياسي أيضًا ، وصلت الرسائل من خلال وسطاء منهم محمد إسماعيل"محافظ أسيوط"وعثمان أحمد عثمان وغيرهم ، وكان هذا التوجه من السادات محاولة لتحجيم النشاط الطلابي الناصري واليساري في الجامعة تحديدًا في ذلك الوقت والذي كان يؤذيه ويهدده، وهو غير راغب في الصدام المباشر معه مع استعدادات الحرب المصيرية التي وقعت في 1973. الانفتاح الكبير الذي فوجئت به الحركة الإسلامية في ذلك الوقت لم تكن أصلًا على استعداد لاستيعابه وهضمه، وبالتالي استنزفت الحركة جهدها في ذلك الوقت في إحياء مهرجانات خطابية في الجامعات المختلفة والتوسع في حركة النشر للكتب وإعادة إصدار مجلة الدعوة والبحث عن رصيد جديد من الجيل الجديد في الجامعة لضمه إلى الجماعة، لكي يجدد شبابها نظرًا لعجز الشيوخ عن فهم الواقع الجديد والتفاعل معه، وتفضيل الكثيرين للخروج من مصر كلية للعمل في الخليج بحثًا عن الرزق وعن الأمن ، وكان الشيخ مصطفى مشهور ـ رحمه الله ـ يعاني كثيرًا في هذه الفترة في إقناع قيادات في الجماعة ممن انطووا على أنفسهم في القرى والنجوع والمحافظات بالعودة إلى النشاط، وإقناعهم بأن لديه رسائل إيجابية من الرئيس السادات شخصيًا ، وكان غياب الأفق والوعي بتحولات المجتمع وغياب الرؤية المنهجية المتوازنة للتعامل مع الدولة ومؤسساتها قد أضاع على الحركة وعلى الدولة معًا فرصة إجراء مصالحة تاريخية تندمج فيها الحركة الإسلامية في مؤسسات الدولة المختلفة، وتصبح رافدًا من روافدها، في المؤسسة الدينية الرسمية أو المؤسسة الإعلامية أو المؤسسة الثقافية أو المؤسسة التعليمية أو غير ذلك، فانتهى الأمر باستهلاك الوقت والجهد في"زبد"ذهب جفاء مع أول صدام أو خلاف وبقيت عزلة الحركة وخسارتها وخروجها من توازنات القوى الحقيقية في المجتمع.
كانت المشكلة الرئيسة في تلك المرحلة هي غياب"منهج فكري"متوازن وفعال يمكن أن تتأسس عليه حركة إسلامية جديدة، ويمكنه أن يستوعب التحولات الجديدة في المجتمع المصري والمنطقة العربية والعالم كله، كما غاب المفكر الفذ، كما أن الحركة وقعت في مأزق الصدام مع توجهات فكرية أخرى منها مجموعة الشيخ سيد قطب ـ رحمه الله ـ والتوجهات التكفيرية الجديدة، وظهرت رسالة"دعاة لا قضاة"كرد فعل على هذه التوجهات المغايرة، والعجيب أن يكون هذا هو الإسهام الفكري الوحيد الذي يمكن وصفه بالجديد في تلك المرحلة، ولكنه هو الآخر خرج من رحم السجون وحمل بصمة الرغبات الأمنية، الأمر الذي حال بينه وبين قبوله من الأجيال الجديدة على النحو الذي سنوضحه، كما أن الكتابات التي تصدر كردود أفعال ليس من طبيعتها بناء أفق مستقبلي جديد، وكان الخطأ الكبير في ذلك الوقت يتمثل في اندفاع الحركة لتصفية خصومتها مع الحقبة الناصرية بالحديث عن وقائع التعذيب وأهواله وتفاصيل مروعة حول إهانة المقدسات بما فيها القرآن وإهانة آدمية الإنسان، وللأمانة فإن هذا التسجيل لوقائع الفترة هو حق أصيل لأصحاب التجربة، ولكن المشكلة وقعت عندما توسعت الحركة في نشر الكتابات في هذا المجال في الوقت الذي عجزت فيه عن أن تخرج للأجيال الجديدة رؤى فكرية وسياسية جديدة، وأن تبلور لهم وعيًا جديدًا في التفاعل الإيجابي مع المجتمع ومؤسساته ومع مؤسسات الدولة أيضا، فهنا اختل توازن البناء النفسي والفكري للأجيال الجديدة، وترسخت مناطق الفراغ التي تمدد فيها فكر غير مكتمل لنضجه السياسي والاجتماعي والدعوي ، فانتهى الأمر بتعزيز نزعة تكفير السلطة وتنفير الجيل الجديد من الدولة ومؤسساتها، وترسيخ مشاعر عدوانية تجاهها ـ أيا كانت السلطة التي فيها ـ والنظر إلى الدولة على أنها عدو للتوجه الإسلامي إن لم يكن للإسلام نفسه، واشتهاء الصدام مع أجهزتها الأمنية وإظهار الصلابة أمامها، وبإيجاز؛ تعزيز الشعور لدى الجيل الجديد في الحركة الإسلامية بأنهم كيان مغاير ومفاصل للدولة، وبديل كامل لمؤسساتها وأجهزتها، والنظر إليها على أنها"عدو"أيًا كانت الصيغة التي تعبر بها عن هذا الشعور وتلك الرؤية، وكانت هذه لحظة فاصلة في التأسيس للحقبة الجديدة للحركة الإسلامية التي تعيشها حتى الآن، وهي الحقبة التي تميزت بالشحن العاطفي الكبير والفراغ الفكري الكبير أيضًا ، والثراء الفكري الوحيد الذي نشط في تلك الفترة كان في دحض الأفكار الشيوعية والعلمانية على الصعيد الثقافي، ولكن الأمر لم يتعد إلى بلورة رؤية شاملة للموقف الإسلامي العملي الذي يمكن أن يتأسس عليه حركة الجيل الجديد في علاقاته بالمجتمع وبالدولة وبالأقليات وبالقوى السياسية المختلفة وبالسلطة وأجهزتها وبالأحداث الدولية الجديدة.