فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 788

الموقف الجديد للإخوان المسلمين في السبعينيات قدم خدمة كبيرة لتيارات الغلو الفكري الجديدة وحرث لها أرض المجتمع المصري، مثل جماعة المسلمين"التكفير والهجرة"، وهي التي حملت بقدر كبير من الكراهية للدولة وللنظام؛ لأن هذه الحركة التي قادها شكري مصطفى ـ رحمه الله ـ تمددت في الفراغ الذي صنعه الإخوان في السبعينيات، والمتابع لتطورات حركة شكري يجد أن منهجها التكفيري لم يكن بهذا الوضوح والاكتمال، وإنما ظل يبلور الفكرة وينميها بعد خروجه من السجن وساعده على ذلك اغتراب الكثير من قيم المجتمع المصري آنذاك عن الإسلام وكذلك ـ وهو الأهم ـ حالة الفراغ الفكري مع الشحن العاطفي التي أوجدتها الإخوان. ويمكنني القطع ـ كمعايش لتلك المرحلة ـ أن حركة التكفير كانت حالة عاطفية أكثر منها حالة فكرية، كانت تعبيرًا عن مراهقة فكرية وتنظيمية وسياسية ، تتميز بروح التجرد والإخلاص الشديد والصفاء النفسي والروحي ، لكنها تفتقد الوعي المتوازن بالواقع وحساباته ، وتتأسس رؤاها وأفكارها على هواجس المؤامرات والغموض والتفسير غير العقلاني للظواهر السياسية والاجتماعية ، وبالمناسبة فهذه المراهقة هي التي دمغت معظم التنظيمات الإسلامية الجديدة التي عرفتها مصر في تلك الفترة بما في ذلك حركتي الجهاد والجماعة الإسلامية ـأهم وأبرز تنظيمات هذه الفترة ـ، كما كان ذلك هو طابع الحركة السلفية المصرية رغم تميزها بالاعتدال الفكري ، ولكن الموقف من المجتمع والواقع وتوازناته وتيارات الفعل فيه وحوله كان شديد السذاجة ، وقد ساعدت حالة الفراغ التي تمدد فيها تيار التكفير على سرعة تنامي وتمدد هذا التيار، ومن ثم سرعة تشققه وانبعاث شظايا كثيرة منه كل منها يغالي أكثر من صاحبه في دعوى التكفير، حتى إن مصر كانت تعرف في السبعينيات عشرات التنظيمات الصغيرة التي تتبنى فكر التكفير، وكلها تقريبا انزوى وتلاشى مع نهاية السبعينيات وبداية مرحلة جديدة .

روح الهيمنة التي تحركت وِفْقَها القيادة الجديدة للإخوان في مرحلة السبعينيات، ومحاولتها إحياء الجماعة بعد مرحلة الكمون الطويلة في السجون؛ أفرزت أوضاعًا جديدة ، كان في مقدمتها تمرد قطاعات كبيرة من الشباب الإسلامي في الجامعة على هذه الروح، لقد كانت القيادة الجديدة للإخوان غير مستوعبة لأن مرحلة الانبعاث للحركة الإسلامية قبل حركة يوليو قد انتهت، وأصبحت هناك تصورات جديدة وطموحات جيل جديد ونمط تربوي وعلمي جديد، وبالتالي أصبحت التعددية في المحيط الإسلامي واقعًا لا مفر منه، وهو الأمر الذي لم تدركه القيادة الجديدة؛ فتسارعت وتيرة الاحتواء في جيل السبعينيات وتسارعت عمليات الصدام مع من رفضوا روح الهيمنة الجديدة ، وخاصة أن التراث السلفي كان له حضوره القوي في الواقع الجديد ، وقد بدأت نزعات الاستقلال عن الإخوان تتبلور مع الوقت في إبراز أهم ظاهرتين طوال حقبة الثمانينات فيما بعد ، وهما تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية ، وكلتا الجماعتين انطبعتا ـ سياسيا وعاطفيا ـ بالأساس النفسي والفكري الذي رسخته دعوة الإخوان في السبعينيات ، فهناك عاطفة كبيرة في التوجه نحو الإحياء الإسلامي في القيم، والالتزام بالهدي الظاهر والولاء لكل ما هو إسلامي، وهناك أيضا الخصومة التقليدية مع"الدولة"وتشخيصها بمؤسساتها في وصف"العدو"، وهناك بالمقابل رغبة في التغيير دون وجود وعي واقعي أو خبرة سياسية تقود هذه الرغبة، حتى إن الموقف من قضايا كثيرة في العمل السياسي والاجتماعي -مثل: الأحزاب، والانتخابات، والبرلمان، والإعلام، والنقابات، وغير ذلك- كان مضطربًا جدًا في وعي الحركتين، وهناك ميل كبير لمقاطعة هذه المؤسسات جميعًا أو حتى تكفيرها، إما باعتبارها أدوات للنظام غير الإسلامي، وإما باعتبارها معينة على التأسيس للشرعية الوضعية، وبالتالي كان البحث عن"الخلاص السريع"هو الفكرة المحورية في فكر التنظيمين، والخلاص السريع طريقه واحد وهو"العمل المسلح"فتلاقى الطرفان:"الجهاد ، والجماعة"على الحل على النحو الذي شاع في أدبيات التاريخ لحادثة 1981 الشهيرة، والتي انتهت بمقتل الرئيس السادات، وفشل مشروع التغيير بكامله، ودخول الكوادر الرئيسة للجماعة والجهاد في غيابات السجون لتتكرر تجربة الإخوان القديمة، ولكنها هنا كانت أكثر مأساوية؛ لأن فترة حضانة التجربة لهذه الكوادر لم تتعد سنوات قليلة، بعضها لا يتجاوز سنتين أو ثلاث قبل القبض عليهم ودخولهم السجن الطويل، فلم تكتمل معهم ملامح خبرة عملية، ولم تتح لهم الفرصة لمزيد من الاحتكاك والتجربة البعيدة عن العنف، وبوضوح أكثر لم يكونوا قد تجاوزوا مرحلة"المراهقة"السياسية، وهو الأمر الذي انعكس بعد ذلك على أمرين: دوامات العنف المروعة من قبل كوادر جديدة لم تنضج بعد وراثتها لقيادات الحركة السجينة، والأمر الآخر هو فقدان التوازن في المراجعات الجديدة التي صدرت عن الجماعة بعد قرابة ربع القرن من معانات السجن والعزلة الاجتماعية والسياسية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت