إن الأمة تمر بمنعطف خطير , ولم يعد الأمر يتسع للمزيد من الاسترخاء والتهاون والمجاملة .
وفي ظني أن ثمت قدرًا من الحرية يتاح الآن في قنوات الإنترنت أو الفضائيات أو غيرها ... ومن المهم أن نتعلم كيف نستخدم هذه الحرية لا لنظهر مساوئنا وقلة أدبنا وضيق صدورنا بالحوار , بل لنتدرب على الهدوء في معالجة الاختلاف وسعة الصدر والأفق .
عاشرًا: ومع أهمية عصر الجهود كلها وتثميرها علينا أن ندرك أن جهودنا تظل محدودة، لاعتبارات تربوية وإدارية وفكرية ، ومع محدوديتها فكثيرًا ما يضعف أثرها بسبب التشتت والتوزيع على مساحة عريضة جدًا .
نحن مجموعة من الخيريين نتشاكى هوان الأمة وضعفها ونَحِنُّ إلى عزتها وقوتها، وبعد قليل نتحدث بعفوية فنبدأ بالولايات المتحدة وإسرائيل ، ثم نُثَنّي بأوربا، ثم نتناول العالم الغربي، ثم العالم كله، ثم نبدأ بالرقعة الإسلامية ومن فيها، ثم من يخالفوننا في الأحوال ، ثم من يخالفوننا في الفروع، ثم من لا نتفق معهم في الاجتهاد الخاص والمعالجة الآنية، وربما تفاقم الأمر إلى من لا نتطابق معهم في الذوق والمزاج والتركيبة النفسية.
من الخير أن نعتاد العمل في دوائر الاتفاق التي يقبلها عامة الناس .
وفي جميع كتب الفقه يعقدون بابًا للصلح، ويذكرون أحكامه وأدلته ، وأخبار العهود والمواثيق النبوية والراشدية مع أصناف الناس.
وفي جميع الحالات المشابهة تبدو الحاجة ملحة إلى ترتيب الأولويات ومراعاة قواعد المصلحة والمفسدة , والاعتبار بالقدرة الشرعية المتحصلة لأهل الإسلام ، وليس المسلمون استثناء من غيرهم في اتخاذ الأسباب وتوفير القدرات.
ولا شك مطلقًا أن السابقين الأولين بمكة قبل الهجرة كانوا أصدق الناس دينًا وأشدهم تضحية , ومع ذلك أمروا بالكف ، وقال عنهم ربهم العليم:"فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً" (النساء: من الآية77) .
ولذا قال بعض الحكماء: أسرع الناس إلى الفتنة أعجلهم فرارًا عنها.
إن هذه الطاقة الإسلامية المحدودة لا تتحمل أن تكون وقودًا لمعارك لا أول لها ولا آخر مع شتى المخالفين.
إن جهدك المحدود لو وُظِّف في مجال محدد لأثمر ، وأنت في مقام مواجهة تفرض عليك تحديات لا مخلص منها , وليس لك أمامها خيار، فمن اللازم أن تتوفر في مثل هذا القدرة على الحركة، وعدم الجمود على مواقف ثابتة ، بل يتقدم المرء أو يتأخر ، وقد يأخذ ذات اليمين وذات الشمال بحسب المصلحة.
نحن هنا لا نتحدث عن القناعات العقدية ولا عن المواقف المبدئية ، بل عن المواقف العملية التي يبذل الإنسان فيها مجهوده ، ويستجمع قدرته.
إذا كان المقصود هو مجرد الحديث فلنقل عن أعدائنا ما شئنا ، لكن حين ننتقل إلى الميدان العملي ؛ فعلينا أن نختار الأهداف بعناية .
وفي داخل المجتمعات الإسلامية فإن ثمت تناقضات كثيرة وواقعية لا يمكن تجاهلها، منها: الفكرية , ومنها المناطقية , ومنها القبلية ومنها .. وقد يبدو جيدًا أن العدو يراهن على إطلاق العنان لهذه التناقضات ؛ لنتصادم ويفني بعضها بعضًا ، وليس سرًا أن بعض الأجنحة المتصارعة في أكثر من بلد إسلامي زودت بأسلحة إسرائيلية ، والتجربة الأمريكية في أفغانستان هي آخر شاهد على أن الإدراة الأمريكية تحافظ على أفرادها ؛ فالفرد الأمريكي إنسان متحضر راقٍ يسحق الحياة، وليمت بدلًا عنه ألف من العرب المسلمين الذين يرفضون الحداثة , واللحاق بركب التقدم !
ويخشى العقلاء كثيرًا أنه في جو السذاجة وقلة التجربة والأنانية وعدم وضوح الأهداف ، فإنه من الممكن أن تتكرر القصة , وأن تنطلي اللعبة على كثيرين قد يظنونها في بداية الأمر تحقيقًا لأهدافهم وتطلعاتهم ومصالحهم الذاتية .
الحادي عشر: وعلى وجه الخصوص فإن من الضرورة بمكان أن نتجنب المصادمة مع إخواننا في الملة والدين ، وترك المصادمة لا يعني ترك الدعوة ، بل يعني التأسيس الصادق للدعوة وانطلاقها بلا عوائق ، ولا يعني ترك التناصح بيننا، بل تفعيل التناصح، لكن يعني تجنب أسلوب المصادرة والإلغاء والاستخفاف بالآخرين.
وبغض النظر عن مدى تطابق الرؤية في الحكم على هذه المجموعة أو تلك إلا أن القدر المقترح الآن هو الموادعة والمتاركة والانشغال بالهم الأكبر ، وإقبال كلٍ على مشروعه ونموذجه وعمله البنائي الإصلاحي.
وإذا تعذر أن يصل أهل الإسلام إلى موقف موحد في القضايا الكبار- ولعله متعذر فعلًا -فليسيروا في خطوط متوازية غير متقاطعة ولا متعاندة ، وليدَعوا جزءًا من مهمة تصفية الخصوم للمستقبل ، لئلا يلفيهم الزمان القادم وهم بلا أعداء!
إنها نفثة مصدور ، تؤلمه الرغبة الانشقاقية الكامنة في أعماقنا، المتربصة لفرصة تسمح لها بالظهور والتبرج كأسوأ ما تكون الأنانية في سيطرتها الفردية والجماعية على حياتنا وأعمالنا ، ويزكى ذلك غياب روح الفريق في برامجنا , حتى لا نفرح بإنجازات يحققها الآخرون ونحرم أنفسنا من لذة الانتصار , بينما يفرح فريق الكرة كله لهدفٍ يسجله حارس المرمى !
والله تعالى ينهى عن التفرق والتنازع عامة ، ويخص من ذلك حال لقاء العدو ، كما قال سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا" (الأنفال: من الآية45) .
فالنتيجة الحتمية للتنازع هي الفشل وذهاب الريح.
إننا بحاجة إلى فقه أوسع لمقاصد التشريع وأصوله الأولى والتي من مقاماتها الأولى أن التشريع مبنى على الوسع والاستطاعة , وأن التشريع من مقصوده تحصيل المصالح ودرأ المفاسد , ومن مقصوده تحصيل اجتماع المؤمنين الذي يتعذر تحققه إلا بقدر من الإسقاط والعفو والتسامح وفتح محل الاجتهاد الذي يتجاوز دائرةَ خاصةِ أهل العلم إلى سائر أهل الدعوة والعمل للدين ليضع كلٌ مما أوتي ما يحصل به تحصيل مصلحة أو درأ مفسدة .
لقد تربينا في طفولتنا وربما في مجالسنا العلمية على روح الانتقام والثأر والإصرار على حقوقنا حتى مع أقرب الناس إلينا ... وربما لا تكون الحقوق ظاهرة جلية , والآن يقتضي الوقت أن نتربى على قيم التسامح والإيثار والرحمة والتنازل لإخواننا والصبر عليهم ؛ لأن المكان يضيق فإذا كبرت ذواتنا تقاتلنا من أجلها وشاعت الأثرة وزاد الشر تسلطًا علينا , واتسعت الهوة بيننا فلنجعل الخلاص من أنانيتنا ومصالحنا الذاتية وذكرياتنا الأليمة شعارًا لنا , ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه , والله واسع عليم .
لنجرب أن ننام الليلة وقد أخلينا قلوبنا (للطوارئ) من كل حسد أو حقد أو بغضاء أو كراهية لأحد من المسلمين , ممن نعتقد أنهم ظلمونا في نفس أو أهل أو مال أو عرض , وأن نسامحهم جميعًا , ونتوجه إلى خالق السماوات والأرض بقلوب صافية أن يسامحهم ويغفر لهم ويعينهم على تجاوز عثراتهم وإدراك عيوبهم...
نحن نغسل وجوهنا وأيدينا يوميًا عشرات المرات , فلنجرب هذه المرة أن نغسل قلوبنا من كل مالا يرضي الله , والقلب موضع نظر الرب تبارك وتعالى ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) .
إنها عملية سهلة جدًا , ولكنها مفيدة , حتى على صعيد الأنس والراحة والسعادة الذاتية فجربها والله معك .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
* أهمية الوقت.
* مفهوم إدارة الوقت.
* تمرين (1) ،استراحة
* لصوص الوقت.
* تمرين (2) .
* أربع قواعد لإدارة وقتك بفاعلية.
المحتويات
مفهوم إدارة الوقت