فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 788

وهو القائل: (ما من ليلةٍ يُهدَى إليَّ فيها عَروسٌ أنا لها مُحِبٌّ أو أبُشرُ فيها بِغَلامٍ أحب إليَّ من ليلةٍ شديدةِ البردِ كثيرةِ الجليدِ في سَرِيَةٍ أصبحَ فيها العَدوُ) [19] .

وهذا سلمانُ الفارسي - رضي الله عنه - يزورُ الشامَ ، فيسأل عن أبي الدر داء- رضي الله عنه- فيقال: هو مرابطٌ ، فيقول سلمان: وأين مرابطُكم؟ قالوا بيروت، فتوجه قبله ثم قال: يا أهل بيروت ألا أحدثكم حديثًا يذهب اللهُ به عنكم عرضَ الرباط، سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- يقول: (( رباطُ يومٍ وليلةٍ كصيام شَهرٍ وقِيامِه، ومنْ ماتَ مُرابطًا أجيرُ من فتنةِ القبرِ، وجرى له صالحُ عملِه إلى يوم القيامة ) ) [20] .

وفي رواية لمسلم: (( وإن ماتَ جرى عليه عملُه الذي كان يعملُه، وأُجرىَ عليه رزقُ وأمن الفتان ) ) [21] .

أمةَ الإسلامِ

إذا عز الجهادُ في سبيل الله، أو تعذر الرباطُ في ثغورِ المسلمين فلا أقلَ من أنْ يبقى حديثُ النفس في الغزوِ والجهادِ، وإنَّهما من خير ما تستثمرُ به الأوقاتُ ، وتُستنفدُ فيه الأعمارُ ، (( فالجَنَّةُ تَحْتَ ظِلالِ السُيُوفِ ) ) [22]

ويُحذر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمتَه من تناسي هذه الشعيرةِ الكبيرةِ ويقول:

(( من ماتَ ولم يغزُ ولم يُحَدِّثْ نفسَهُ بالغزوِ ، مات على شُعْبَةٍ من النِّفَاقِ ) ) [23] .

أيها المسلمون

ليس الجهادُ مقصورًا على جهادِ الأعداءِ في ساحاتِ الوَغَى ، فالجهادُ باللسانِ وبذلُ الأموالِ في سبل الخيرِ، والتيقظُ للثغراتِ في الداخلِ ، وكشفُ النفاقِ ، وفضحُ المنافقين ، كل ذلك ضَربٌ من ضُروبِ الجِهادِ ، حثَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ) [24] .

واهتم له السلفُ الصالحُ حتى ظهرت السُنَّةُ، وماتت البدعةُ ، وأخمدت نيرانُ الفِتَنِ المُشتَعِلة ِ ، وقَضوا به شطرًا من أوقاتهم.

وهذا العالمُ الفطن والصحابي النجيبُ عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - يقول: (جاهدوا المنافقين بأيدِيْكم، فإنْ لم تستطيعوا فبألسنَتِكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تُكَفْهِرُوا في وجوهِهم فافعلوا) [25] .

وإذا كانت ساحةُ المعركةِ في الخارجِ مكشوفةً لكل أحدٍ ، فإن ميدانَ المعركة في الداخلِ، وإفسادِ المنافقين الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ، قالوا إنما نحن مصلحون لا يَخفى على الواحدِ الأحدِ .

إخوةَ الإيمانِ

استثمر السلفُ الصالحُ جزءًا من أوقاتِهم في تفقد أحوالِ إخوانِهم المسلين، وقضاءِ حوائجِ المحتاجين ، ولله درُّها من نُفوسٍ لم يُلهِهَا الغَنِىُ عن استشعارِ من يبيتون على الطوى، وتَذكرِ من يَفترشُون الأرضَ ، ويلتحفونَ السَّماءَ، يفزعون في النائبةِ ، ويُطعمون المِسكينَ والأرملةَ ، وهاكم نموذجًا لهؤلاء، فأهلُ المدينةِ - كما تقول الروايات.. كانوا عيالًا على عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه- ثلثًا يقرشهم ، وثلثًا يقضي دينَهم، ويصل ثلثًا )) [26] .

ومع ذلك كان يخشى الهَلكةَ على نفسِه، فيأتي أمَّ المؤمنين ، أم سلمة رضي الله عنها ويقول: يا أم المؤمنين إني أخشى أن أكون قد هلكتُ، إني من أكثرِ قٌريشٍ مالًا ، بعتُ أرضًا لي بأربعين ألف دينارٍ ، فتوصيه بالنفقة [27] .

ترون - معاشرَ المسلمين- ماذا سيكونُ موقِفُنا إذا سألنا على أرملةٍ من أراملِ المُسلمِين ، تُهدهدُ أطفالَها وليس عندها ما تطعمُهم؟ أو عن مغيبةٍ طال ليلُها وحيل بينها وبين زوجِها، أو عن أسرٍ فقيرةٍ مُعدمة لا يسألون الناس إلحافا، وعن مدين أقلقَ الدائنون مضجعه ، ولا يجد لديونهم سَدادًا.

ألا وإنَّ تَفقدَ أحوالِ المُسلمين ، وقضاءَ حاجاتِ المحتاجين من سماتِ هذا الدين ، ومن أخلاقِ المؤمنين، ومما تُستثمَرُ به الأوقاتُ، والدالُ على الخيرِ كفاعله، ومنْ فَرَّجَ عن مسلم كربةً من كُرَبِ الدنيا فَرَّجَ اللهُ عَنهُ كُربةً من كُرَبِ الآخرةِ.

هذه - معاشرَ الأحبةِ - إطلالةٌ يسيرةٌ على جوانبِ من استثمار الوقتِ ، عند السلف الصالحين وهي كما ترون- صلاةٌ وصيامٌ ، وتلاوةٌ واعيةٌ للقرآن ، علمٌ وتعليمٌ ، وعمارةٌ للمساجدِ بذكر الله، دعوةٌ للخير وجهادٌ في سبيل الله بالمال والنفس واللسان ، ومرابطةٌ في ثغورِ المسلمين دفاعًا عن حياض الإسلامِ ، وحُرمات المسلمين، وتلمس واعٍ لحاجات المسلمين ،والتقفي لأحوالِ المحتاجين فأين الشعورُ بالفراغِ لمن يستثمرُ وقتَهُ في هذه الأعمالِ الجليلة ،أو مثلها ، وأي مكان في مجتمع المسلمين لمن يهلكون أوقاتَهم !ا أماكنُ الخنا [28] .

والزنا ، وأين من ينتظرون نصرةَ هذا الدينِ ، وهم بعد لأوقاتهم مُضيعون، ولأهوائِهم وشهواتِهم مستسلمون.

إنَّ الأمة مُحتاجةٌ لكل طاقةٍ ، وإنَّ الدعوة لا تَستغني عن أي وسيلةٍ مُباحةٍ ، فَلْيَسُدَّ كُلُّ واحدٍ من المسلمين الثُغرةَ التي يُحسِنُها، لنتق الله في أوقاتنا ولنقدم خيرًا لأنفسٍنا،

اللهم إنا نعوذُ بك من العجزِ والكَسلِ، اللهم ألهمنا رُشدَنا، ويسر أمورَنا، واختم بالصالحاتِ أعمالَنا.

[1] تفسير ابن كثير 8/ 416.

[2] تفسير ابن كثير 8/500

[3] أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما

[4] الفتح 11/230.

[5] أخرجه الحاكم موصولا وصححه ووافقه الذهى وغيره،شرح السنة للبغوي 14/224 .

[6] السير (4/368) .

[7] السير 3/215 .

[8] السير 2/29، 30، 33 .

[9] رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي 3/318

[10] أخرجه الطبري في تفسيره بسند حسن (السير 1/490) .

[11] أخرجه أبي سعد 4/70 بسند رجاله ثقات، السير3/ 215 .

[12] السير 1/399 مع ضعف إسناده

[13] تفسير ابن كثير7/327

[14] أخرجه أبو نعيم والفسوي بإسناد صحيح، سير أعلام النبلاء1/499، 500

[15] رواه ابن سعد والحاكم، بسند صحيح، السير1/34

[16] أخرجه ابن سعد، السير 1/364

[17] السير 1/364، 365

[18] الإصابة 3/74

[19] ذكره الهيثمى في المجمع 9/350 وقال: رجاله رجال الصحيح.وذكره غيره، السير 1/375، الإصابة 3/7.

[20] إسناده حسن، السير 1/506.

[21] صحيح مسلم 3/3/120 ح1913.

[22] رواه الحاكم بسند صحيح، صحيح الجامع 3/85

[23] رواه أحمد ومسلم وغيرهما، صحيح الجامع 5/358.

[24] حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم، صحيح الجامع 3/79 .

[25] السير 1/497.

[26] سير أعلام النبلاء 1/88.

[27] السير 1/82.

[28] الخنا: الفحش (مختار الصحاح ص 192

واجب الوقت

غلب على مدارسنا الفكرية والدعوية نمط من التفكير يميل إلى اليأس والإحباط ويعالج النوازل والملمات بجرعات غير نقية من المواعدات المستقبلية التي لايد للإنسان فيها عوضًا عن المطالبة بالعمل والجهاد ، واستنفار القوى والطاقات واستثمار الأحداث لإعادة صياغة الفرد والأمة .

كتب إلي أحد الشباب يقول: نحن نعيش في إحباط وخوف وهواجس رهيبة بعد هذه الأحداث حتى يجزم بعضهم بأنها بداية النهاية ليوم القيامة كما في (الهرمجدونية) فترك الكثير منا العمل ونية الزواج والتفكير في المستقبل العملي ... الخ . وهذا الجزم ـ أخي الحبيب ـ هو من الرجم بالغيب ولماذا نستنكر عمل العرافين والمنجمين وقارئي الكف والفنجان ثم نأتي ما هو مثله وأشد منه .

إن قارئة الكف قد تؤثر بالإيحاء على سلوك فرد واحد أو تضر بمستقبله بينما الخراصون المتهوكون في قضايا الأمة قد يضرون بمستقبل مئات من الناس ممن اتبعوهم بغير علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت